آخر الأخبار

فتح الرها واستشهاد عماد الدين زنكى



فتح الرها واستشهاد عماد الدين زنكى


استيلاء عماد الدين زنكي على الرها
1144م 

انصرف زنكي في الفترة بين سنتي 1140م و1144م أي منذ عودته من مشروعه ضد دمشق حتى إسقاطه الرها إلى عمليات عسكرية ناجحة في أرض الجزيرة، نعتقد أنها فضلا عن كونها تأكيدا لنفوذه وسلطانه في هذه الجهات، ومدة لرقعة دولته كانت تأمينا لحدوده وتمهيدا للهجوم على الرها بعد ذلك ، فقد استولي في سنة 1140م (534ﮪ) من التركمان على بعض القلاع وانتزع مدينة الحديثة، وأخضع آمد، ثم تحول إلى الأكراد فخرب بعض قلاعهم، وأقام قلعة كبيرة سماها العمادية نسبة إليه سنة 1143م ، وفتح قلاعا ومدنا أخرى في ديار بكر بعضها كان تابعا لجوسلین صاحب الرها" ، وهكذا طوق زنكي إمارة الرها وبالغ في التضييق عليها توطئة للهجوم على الرها ذاتها وإسقاطها، منتهزا فرصة الشقاقوالنزاع بين أمراء.

الصليبيين في الشمال، بين جوسلين الثاني وريموند دي بواتيه"، حتى وصلت العداوة بينهما إلى حد الكراهية السافرة " فلم يعد أحدهما يأسي على ما يحيق بالآخر من المصائب ، بل إن كلا منهما كان يغتبط للمصيبة التي يبلي بها الآخر ويفرح أشد الفرح لأي كارثة تلحق
وكان جوسلين الثاني قد ترك الرها وانتقل للإقامة في تل باشر على الناحية الأخرى من الفرات - کما سبق أن أشرنا - دون أن يهتم بتوفير المؤن والزاد والسلاح بها لتستطيع المقاومة والصمود للحمار الطويل، ولكنه عول على طوائف السكان من المسيحيين الشرقيين وحامية صليبية صغيرة في الدفاع عنها في الوقت الذي تظاهر فيه زنكي بالانصراف إلى مهاجمة الأراتية التركمان في ديار بكر " ليوهم الفرنج أنه غير متفرغ إلى قصد بلادهم"، ثم اتجه إلى الرها فجأة حيث أحاطت قواته بالمدينة من كل جانب وشددت الحصار عليها

الفرنج أنه غير متفرغ إلى قصد بلادهم"، ثم اتجه إلى الرها فجأة حيث أحاطت قواته بالمدينة من كل جانب وشددت الحصار عليها ابيداء من ۲۸ نوفمبر سنة 1144م " وحالوا بينها وبين من يدخل إليها بميرة أو غيرها " ، وظل يضربها طيلة ثمانية وعشرين يوما بالمنجنيق .
وعلى الرغم من محاولات المسيحيين الشرقيين والحامية الصليبية ونهوض الأسقف اللاتيني هيو الثاني بالدور القيادي في هذه الأحداث وفي محاولة الصمود لقوات زنكي إلا أن جوسلين الثاني لم يحرك ساكنا ولم يبادر بمحاولة إنقاذ الرها، مما جعله هدفا 

للمؤرخ الصليبي وليم الصوري الذي وصفه بالجبن والتخاذل ، وإن التمس له بعض المؤرخين المحدثين العذر فقيل أن جيشه لم يكن من القوة بحيث يمكنه الدخول في معركة مع قوات زنکی ، كما أنه كان واثقا من قوة إستحكامات المدينة واستطاعتها الصمود فترة أطول ریشما يتمكن من استقبال نجدات الإمارات الأخرى والمملكة، كما أن وجوده بتل باشر يمكنه من قطع النجدات التي قد يلتمسها زنكي من حلب  . ومهما يكن من أمر فقد نشط زنكي كثيرا للاستيلاء على المدينة وتعجل سقوطها قبل أن ينهض الفرنج لإنقاذها فجد النقابون في إحداث بعض الفجوات في أسوار المدينة " إلى أن وصلوا تحت أساس أبراج السور " ووضعوا الأخشاب في ثقب كبير أحدثوه " فأذن لهم زنكي فألقوا النار فيه فوقع السور في الحال ") ، فاقتحمت القوات الإسلامية المدينة في يوم ۲۳ ديسمبر سنة 1144م ، واستولوا على قلعتها بعد يومين ونهبوا الأموال وسبوا الذرية وقتلواالرجال وحصلوا على غنائم وفيرة وأسرى كثيرين » ) ، ووصلت نجدة المملكة، بعد فوات الأوان في الوقت الذي أصم فيه أمير أنطاكية أذنيه عن هذه الأحداث ولم يستجب لطلب النجدة، بل فرح بنزول هذه الكارثة بكونت الرها جوسلين الثاني) .

اجتياح الرها


الأحداث العسكرية بعد فتح الرها

كان فتح الرها بداية لها ما بعدها، إذ لم يكن من الصعب على عماد الدين زنكي أن يستكمل مهمته بفتح باقي المعاقل الصليبية التابعة لهذه الإمارة، فاستغل فرصة تضعضع أحوال الصليبيين في المنطقة وأخذ يسعى لفتح ما تبقى من الحصون والمراكز التابعة لهم في شرقي الفرات.

وهكذا كانت الرها أول إمارة لاتينية في هذه المنطقة، وأول إمارة لاتينية تسقط أيضا في أيدي المسلمين، فسر المسلمون لسقوطها كل السرور وغدا لزنكي من الشهرة ما طبق الآفاق وحظي برضا القاصي والداني" ما لم يحظ به مجاهد قبله خاصة وأنه نهض لتصفية الحصون والقلاع التابعة لها خاصة شرقي الفرات ، فاستولى على سروج " وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات ماعدا البيرة " التي آثر سكانها التسليم في النهاية لأقرب حاكم مسلم إليهم وهو تمرتاش الأرتقي صاحب ماردین ، حتى يكفيهم هذا مئونة التعرض من جديد لهجوم زنكي" .   ونتيجة لسقوط الرها والتنازل عن البيرة، لم يبق من إمارة الرها في يد جوسلین الثاني سوى عدد من الحصون المنتشرة غربي الفرات، وهي تل باشر وسميساط ودلوك ومرعش وعينتاب وعزاز والراوندان، لكن إمارة الرها الصليبية فقد زالت من الوجود).

    لم يكن عماد الدين زنكي بغافل عن المباحثات التي جرت بين ريموند بواتييه والامبراطور البيزنطي مانويل، والتي تمخض عنها قرار بإرسال حملة بيزنطية أخرى إلى بلاد الشام، فرأى أن يؤجل القيام بهجوم آخر على الصليبيين في الشمال، وأن يوجه اهتمامه من جديد إلى دمشقولم يكد يفرغ من إخماد فتنة الموصل حتى أعد حملة كبيرة وزودها بآلات الحصار، وعلم أثناء اجتيازه الرها في (شعبان 540 ﮪ / كانون الثاني 1146م) أن الأرمن يحاولون التخلص من حكمه وإعادة جوسلين الثاني، ذلك أن الأرمن في الرها حاکوا مؤامرة استهدفت الفتك بالمسلمين والتخلص من الحامية الصغيرة التي تركهاوسرعان ما أحبط عماد الدين زنكي هذه المؤامرة وألقي القبض على عدد من المتآمرين وأعدمهم، ونفى عددا من السكان الأرمن كي لا يتاح لهم مرة أخرى أن يسعوا إلى طعن المسلمين من الخلف وتسليم مواقعهم إلى الصليبيين . 

حصار قلعة جعبر  

 غير أنه لم يمض وقت طويل على إسقاط الرها حتى شرع زنكي في حصار قلعة صغيرة تسمى قلعة جعبر، كانت تقع بين ممتلكاته ،الواقعة على الفرات بين بالس والرقة قرب صفين على الطريق إلى دمشق. وكانت هذه الإمارة العربية الصغيرة تابعة لبني عقيل لكن وضعها الجغرافي كان متداخلا مع أملاكه، الأمر الذي دفعه إلى ضمها قبل أن يقوم بحملته على دمشق، وبخاصة أن أميرها عز الدين علي بن مالك بن سالم العقيلي رفض الاعتراف بسيادته. إلا أن حصارها طال .حاصر عماد الدين زنكي القلعة وضيق عليها من دون أن يتمكن من اقتحامها، ثم أجرى مفاوضات مع صاحبها وافق بنتيجتها على تسلم مبلغ ثلاثين ألف دينار مقابل فك الحصار عنها، وما إن وصل الرسول إلى معسكره حاملا المبلغ حتى رده من حيث أتي بعد أن وردته أنباء تشير إلى قرب سقوط القلعة، وأرسل في الوقت نفسه حملة عسكرية بقيادة على كوجك لحصار قلعة فنك

اغتيال زنكى 

وحدث أثناء حصار قلعة جعبر في مساء (6 ربيع الآخر 541 ﮪ / 15 سبتمبر 1199م) أن دخل على عماد الدين زنكي أحد خدامه ويدعی پرنقش وقتله وهو نائم، فاختفى ذلك المجاهد الذي واصل عمل مودود وإيلغازي وآقسنقر البرسقي في حرب الصليبيين ومهد الطريق لابنه نور الدين محمود، وقد أدركته المنية في ميدان الحرب فحقت له الشهادة، وانتهت بوفاته الحلقة الأولى من سلسلة المحاولات الإسلامية في تكوين جبهة إسلامية متحدة وقوية لمقاومة الصليبيين.


 فتفرقت قواته وانتهت بمقتله مرحلة هامة من مراحل الجهاد المقدس ضد الصليبيين، وكان على وشك أن يستأنف الجهاد من جديد، ولكن شاء الله أن يلقي نهايته على هذه الصورة التي ربما كان أقل منها فداحة لو أنه مات وهو ينازل حصنا للفرنج وليس حصنا بيد بعض المسلمين " . وبعد اغتيال عماد الدين زنكي عاد الحلبيون إلى حلب ومعهم ابنه نور الدين محمود فأقاموه أميرا على حلب، على حين عادت قوات الموصل إلى العراق ومعها الابن الثاني لعماد الدين وهو سيف الدین غازي فأقاموه حاكما على الموصل ، فما لبث نور الدين محمود أن مكن لنفسه في حلب وأثبت أنه لا يقل كفاءة عن والده، ولا تنقصه الحمية لمواصلة الجهاد کسلفه عماد الدين فأطراه 



المؤرخون لذلك وشهد له حتى الأعداء منهم بحسن الخلق والهمة وصدق الرغبة فيالجهاد فقال وليم الصوري " كان رجلا المعيا فطنا يخشی ربه.. فحالفه حسن الطالع فتوسع فيما ورثه عن والده وقال في موضع آخر " وكان نور الدين محاربة لا يعتريه الكلل ولا يناله النصب، شديد الحرص على أن تتوالي انتصاراته بعضها في إثر بعض" وقال في موضع ثالث : " وكان أميرا عادلا شجاعا فطنا " فحين ارتقت همة جوسلين الثاني إلى استرداد الرها ودخلها فعلا عقب اغتيال زنكي، نهض نور الدين محمود وحاصره بها، ثم أنزل به هزيمة قاسية وأجبره على الفرار واقتحم من جديد مدينة الرها"، وأحدث المسلمون فيها هذه المرة كثيرا من التعسف لاسيما ضد الأرمن وطوائف المسيحيين الشرقيين الذين تعاطفوا مع الصليبيين، ولعبوا دورا هاما في إعادة المدينة لجوسلين الثاني  ، فحلت بالجميع كارثة تفوق كل وصف بل تحول نور الدين إلى أملاك أنطاكية فاستولى على كثير منها وجعل الصليبيين في الشمال يقعون تحت وطأة كابوس جدید 

نتائج فتح الرها

حقق عماد الدين زنكي بفتح الرها أعظم إنجازاته التي قام بها ضد الصليبيين طوال مدة حكمه، وكانت لهذا النصر نتائج مهمة في العالمين الإسلامي والمسيحي بالإضافة إلى عماد الدين زنكي نفسه.

ويمكن رصد النتائج التالية على صعيد العالم الإسلامي:

- کان نجاح المسلمين بقيادة عماد الدين زنكي تعزيزا لجهود التوحيد. فقد تجدد الأمل عندهم بعد أن تحطمت أول إمارة صليبية قامت في جوف بلادهم.

-غد فتح الرها نصرة كبيرة للإسلام لم ينتفع المسلمون بمثله، وطار في الآفاق ذكره، وطاف بها نشره، وسارت به الرفاق، وامتلأ به المحافل في الآفاق، وكان هذا فتح الفتوح حقا، وأشبهها ببدر صدق ...»

- أثبت هذا الانتصار قدرة المسلمين على مواجهة الصليبيين وانتزاع أقوى حصونهم منهم، ومهد الطريق أمام الذين أعقبوا عماد الدين زنكي لإتمام عمله وفتح باقي المعاقل الصليبية في المنطقة.

- كان سقوط الرها في يد المسلمین کسبة عسكرية كبيرة، فقد جرى تطهير الطرق الممتدة بين الموصل وحلب من الصليبيين، وتم انتزاع الإسفين الذي وضعه هؤلاء بين الأتراك في فارس والأتراك في الأناضول، وهو الذي أعاق الاتصال بين سلاجقة فارس والعراق و آسيا الصغرى، فضمن المسلمون السيطرة على طرق المواصلات التي تربط شمال بلاد الشام والعراق والجزيرة الفراتية، وعاد الاتصال بين هذه القوى مرة أخرى، كما جعل وادي الفرات كله منطقة إسلامية

- غير فتح الرها موازين القوى في منطقة الشرق الأدنى الإسلامي، ودفع المسلمين إلى محاولة استعادة أراضيهم بعد أن لمسوا ضعف الكيان الصليبي .
خمسين عاما من استيلاء بلدوین دي بوایون عليها، كان نذير شؤم عليهم .
- لم يكد نبأ سقوط الرها يصل إلى بيت المقدس حتى أرسلت الملكة میلیسند إلى أنطاكية تستشير حكومتها حول إمكان إرسال سفارة إلى روما لتنهي هذا النبأ إلى البابا وتطلب منه إرسال حملة صليبية جديدة؟).

-لم يدرك الصليبيون للوهلة الأولى مغزى سقوط الرها بيد المسلمين، ولم يعلموا أن هذه الخطوة جاءت بالنسبة إلى هؤلاء بمثابة فتح الفتوح، وبالنسبة لهم الخطوة الأولى في هدم البناء الذي شيدوه في الشرق الأدنى الإسلامي.

- زاد فتح الرها في إضعاف الروح المعنوية للصليبيين، وأثار خوفهم وقلقهم، واقتصر وجودهم على البلاد التي تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط .

- دفع فتح الرها ریموند بواتييه أمير أنطاكية إلى الاعتقاد بعدم قدرته على مواجهة عماد الدين زنكي، بمفرده، ولما لم يكن باستطاعته التفاهم مع جوسلین الثاني، فقد ذهب إلى القسطنطينية يلتمس المساعدة من الامبراطور البيزنطي، وأعلن تبعيته له.

- لم يدفع فتح الرها الامبراطور البيزنطي مانويل إلى القيام بأي عمل عسكري ضد المسلمين في بلاد الشام.

- كان سقوط الرها صدمة للمسيحيين في غربي أوروبا نههم إلى خطورة الأوضاع في الشرق الأدنى، وأدرك هؤلاء لأول مرة أن الأمور لم تجر على نحو سليم هناك، بعد أن تحولت إلى اتجاه مضاد لمصالحهم وأهدافهم، فقامت حركة تدعو إلى إرسال حملة صليبية جديدة . . فتوجه إلى سروج ثاني حصون الإمارة وفتحه في (رجب ۵۳۹ ﮪ / يناير 1145م) بعد أن تخلت حاميته عنه ، وما لبثت الحصون المجاورة أن أخذت بالسقوط في يده الواحد تلو الآخر «وجعل لا يمر بعمل من أعمالها ، ولا معقل من معاقلها، إلا سلم إليه في الحال). تقدم عماد الدين زنكي بعد ذلك إلى البيرة، المدينة الكبيرة التي تتحكم في أهم مخاضة على نهر الفرات على الطريق إلى تل باشر، فضرب الحصار عليها فيرمضان/ مارس) وقطع عنها ما كان يصل إليها من القوت والميرة والمعونة حتى أشرف سكانها على الاستسلام.


-

ليست هناك تعليقات