آخر الأخبار

عمير بن سعد ( نسيج وحده )



عمير بن سعد ( نسيج وحده   )

عمير بن سعد

                               ( نسيج وحده   ) 


ولنبدأ القصة من أولها لنرى كيف أن الإيمان يجعل المؤمن لا يؤثر احدا على ربه - جل وعلا
لقد نشأ (عمیر) بنيما وتجرع مرارة اليتم والفقر منذ نعومة أظفاره، فقد مات أبوه وهو طفل صغير ولم يترك له شيئا من حطام الدنيا
وبعد فترة تزوجت أمه من رجل ثرى اسمه (الجلاس بن سويد) فاحتضن الجلاس عميرة واعتبره ابنا له، وأغدق عليه من كل صنوف الخير حتى جعله ينسى أنه يتيم

وتمر الأيام وتمضي الأعوام وما زالت المحبة تزداد بينهما شيئا فشيئا
ولقد أسلم (عمیر) وهو لم يجاوز العاشرة من عمره إلا قليلا وتغلغل الإيمان في أعماق قلبه، ورسخت جذوره و ارتفعت أغصانه حتى بلغت عنان السماء، وها هي شجرة الإيمان تثمر له الخشوع والخوف والحب والرجاء والإنابة، فقد كان (منبر) عابد زاهد.
وظل عمير يعيش حياة هادئة مطمئنة .. كيف لا وهو الذي امتلأ قلبه حبا لله و حبا الرسول الله .

 إنما ولیکم الله 


وفي السنة التاسعة من الهجرة المباركة علم النبي ة أن الرومان يستعدون للقيام بغزوة حاسمة ضد المسلمين
فعزم النبي به على غزو الروم في تبوك»

ولما قرر رسول الله في الموقف أعلن في الصحابة أن يتجهزوا للقتال، وبعث إلى القبائل من العرب وإلى أهل مكة يستنفرهم، وكان قل ما يريد غزوة يغزوها إلا وری بغيرها، ولكنه نظرا إلى خطورة الموقف وإلى شدة العسرة أعلن أنه يريد لقاء الرومان، | وجلي للناس أمرهم - وضح - ليتأهبوا أهبة كاملة، وحضهم على الجهاد، ونزلت قطعة من سورة براءة - التوية - تثيرهم على الجلاد، وتحثهم على القتال. ورغبهم رسول الله.
كما تسابق المسلمون في إنفاق الأموال وبذل الصدقات، وكان عثمان بن عفان قد جاء بألف دينار فنشرها في حجره ، فكان رسول الله به قلبها، ويقول: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم، ثم تصدق وتصدق، حتى بلغ مقدار صدقته تسعمائة بعير، ومائة فرس، سوى النقود

وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كله. ولم يترك لأهله إلا الله ورسوله . و كانت أربعة آلاف درهم، وهو أول من جاء بصدقته، وجاء عمر بنصف ماله، وجاء العباس بمال كثير، وجاء طلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة، كلهم جاءوا بمال، وجاء عاصم بن عدي بنسعين وسقا من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها و کثیرها، حتى كان منهم من أنفق ما أو مدين لم يكن يستطيع غير هاء وبعثت النساء ما قدرن عليه من مسلك، ومعاضد، وخلاخل، وقرط، وخواتم

وكانت تلك المشاهد التاريخية التي رآها (عمیر) أمام عينيه من البذل والإنفاق والتضحية تعرض أمام عينيه وكأنها خيال لا يحدث إلا في دنيا الأحلام ... وما زالت تلك المشاهد يراها بعيني قلبه حتى عاد إلى بيته وهو يسأل نفسه سؤالا لم يجد له إجابة: ما الذي جعل الجلاس) يعرض عن الإنفاق على الرغم من أنه يملك ثروة كبيرة؟

وبينما هو في هذا التساؤل وإذا به يجد الحلام أمام عينيه فاغتنمها فرصة لا تعوض وأخذ يقص عليه ما رآه من تسابق الصحابة - رضي الله عنهم - إلى البذل والإنفاق والتضحية.
وكان عمير يتوقع أن يذهب الجلاس في تلك الساعة لينفق من أمواله، ولكنه فوجئ بالجلاس يقول كلمة تخرجه من الإسلام جملة واحدة،
قال له الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل - يعني النبي - صادقا فيما يقول لنحن شر من الحمير !!!!

لقد شده عمیر مما سمع؛ فما كان يظن أن رجلا له عقل الجلاس وسنه، تند من فمه مثل هذه الكلمة التي تخرج صاحبها من الإيمان دفعة واحدة، وتدخله في الكفر من أوسع أبوابه
و كما تنطلق الآلات الحاسبة الدقيقة في حساب ما يلقى إليها من المسائل، انطلق عقل الفتی عمیر بن سعد يفكر فيما يجب عليه أن يصنعه: لقد رأی أن في السكوت، عن الجلاس والتستر عليه خيانة لله ورسوله، وإضرار بالإسلام الذي يكبد له المنافقون ويأتمرون به .
وان في إذاعة ما سمعه عقوقا بالرجل الذي ينزل من نفسه منزلة الوالد، ومجازاة الإحسانه إليه بالإساءة ... فهو الذي آواه من يتم واغناء ه من فقر وعوضه عن فقد ابيه

وكان على الفتى أن يختار بين أمرين أحلاهما مر، وسرعان ما اختار ... فالتفت إلى الناس و قال: والله يا جلاس ما كان على ظهر الأرض أحد بعد محمد بن عبد الله أحب إلى منك..
فأنت أثر الناس عندي، وأجلهم يدا على، ولقد قلت مقالة إن ذكرتها فضحتك، وإن أخفيتها ځنت أمانتي وأهلكت نفسي وديني، وقد عزمت على أن أمضي إلى رسول الله وأخبره بما قلت، فكن على بينة من أمرك
مضى الفتی عمیر بن سعد إلى المسجد، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بما سمع من الجلاس بن سوید.

فاستبقاه الرسول - صلوات الله عليه - عنده، وأرسل أحد أصحابه ليدعو له اجلاس، وما هو إلا قليل حتى جاء الجلاس فحيا رسول الله ، وجلس بين يديه، فقال له النبي - عليه الصلاة والسلام -: «ما مقالة سمعها منك عمیر بن سعد؟! ... وذكر له ما | قاله. فقال الامن کذب علی یا رسول الله وأفترى، فما تفوهت بشيء من ذلك.
والتفت الرسول - صلوات الله عليه - إلى عمير فرأى وجهه قد احتقن  بالدم، والدموع تتحدر مدرارا من عينيه؛ فتتساقط على خديه وصدره وهو يقول:
اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به... اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به...
فانبرى جلاس وقال: إن ما ذكرته لك يا رسول الله هو الحق، وإن شئت تحالفنا بين يديك. وإني أحلف بالله أني ما قلت شيئا مما نقله لك عمير. فما إن انتهي من حلفه واخذته عيون الناس تنتقل عنه إلى عمير بن سعد حتى غشيت رسول الله صلوات الله عليه - السكينة، فعرف الصحابة أنه الوحي، فلزموا أماكنهم، وسكنت چوار حهم، ولاذوا بالصمت ، وتعلقت أبصارهم بالنبي - عليه الصلاة والسلام .. .
وهنا ظهر الخوف والرجل على الجلاس... وبدأ التلهف والتشوف ) على عمير .
وظل الجميع كذلك حتى سرى) عن رسول الله ، فتلا قوله جل وعلا: و يحلفرن بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وفارتعد الجلاس من هول ما سمع، وكاد ينعقد لسانه من الجزع، ثم التفت إلى رسول الله " وقال: بل أتوب یا رسول الله... بل أتوب... صدق عمیر - یا رسول الله - و کنت من الكاذبين. اسأل الله أن يقبل توبتي، جعلت فداك يا رسول الله. وهنا نوجه الرسول - صلوات الله عليه - إلى الفتي عمير بن سعد، فإذا دموع الفرح ثبت وجهه المشرق بنور الإيمان، فمد الرسول يده الشريفة إلى أذنه وأمسكها برفق وقال وفت أذنك - يا غلام - ما سمعت، وصدقك ربك.
عاد الجلاس إلى حظيرة الإسلام وحسن إسلامه. وقد عرف الصحابة صلاح حاله مما كان يغدقه على عمیر من بر، وقد كان يقول كلما ذكر عمير: جزاه الله عني خير.

 فقد أنقذني من الكفر، وأعتق رقبتي من النار ؟..

حائط الإسلام العادل وبابه الحق :


وها هو عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي كان لا يحابي أحد ولا يجامل أبدا في دين الله .. أراد أن يختار واليا على مدينة (حمص).وكان - رضي الله عنه - يشترط شروطا في هؤلاء الولاة لا تكاد تسمع عنها إلا في دنيا الأحلام فكان يختارهم من الزاهدين الورعين الصادقين المخبتين الصائمين القائمين الذين يفرون من الإمارة ولا يرغبون فيها .فكان يقول في نفسه: وأريد رجلا إذا كان في القوم، وليس أمرا عليهم بدا وكأنه أميرهم.. وإذا كان فيهم وهو عليهم أعير، بدا وكأنه واحد منهما..!!
أريد واليا، لا يميز نفسه على الناس في ملبس، ولا في مطعم، ولا في مسكن...
يقيم فيهم الصلاة ... ويقسم بينهم بالحق... ويحكم فيهم بالعدل... ولا يغلق بابه دون حوائجهم).

وفي تلك اللحظة تبادر إلى ذهن عمر (عمير بن سعد) فاختاره كما اختار من قبله سعيد بن عامر) ليكمل من بعده عسيرة الزهد والورع والعدل والتضحية.
وكان عمير وقتها يجاهد في سبيل الله في بلاد الشام فدعاه أمير المؤمنين (عمر) وعهد إليه بولاية (حمص) نحاوله عمير لا أن يعتذر عنها. لكن أمير المؤمنين ألزمه بهذه المائة الدينار. فانطلق الحارث فإذا هو بعمیر جالس يفلى قميصه إلى جنب الحائط فقال له عمير: أنزل رحمك الله. فنزل ثم سأله فقال: من أين جئت؟ فقال : من المدينة. فقال: كيف تركت أمير المؤمنين؟ فقال صالح. قال: فكيف تركت المسلمين؟ قال: صالحين. قال: أليس يقيم الحدود؟ قال: بلی ضرب أبنا له على فاحشه. فقال عمير اللهم أعن عمر فإني لا أعلمه إلا شديد الحب لك.

قال: فنزل به ثلاثة أيام وليس لهم إلا قرصة من شعير كانوا يخصونه بها ويطوفون حتى أتاهم الجهد. فقال له عمير : إنك قد أجعتنا فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل. قال: فأخرج الدنانير فدفعها إليه فقال: بعث بها أمير المؤمنين فاستعن بها. قال: فصاح وقاللا حاجة لي فيها فردها
فقالت له امراته : إن احتجت إليها وإلا قضعها في مواضعها، فقال عمر : والله مالی شيء اجعلها فيه. فشقت المرأة أسفل درعها فأعطته خرقة فجعلها فيها ثم خرج فقسمها بين أبناء الشهداء والفقراء.

فرجع الحارث إلى عمر فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت يا أمير المؤمنین حالا شديدا. قال: فما صنع بالدنانير ؟ قال: لا أدري. قال: فكتب إليه عمر: إذا جاء في كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل، فأقبل إلى عمر فدخل عليه فقال له عمر: ما صنعت بالدنانير ؟ قال: صنعت ما صنعت وما سؤالك عنها؟ قال: أنشد عليك لتخبرني ما صنعت بها قال: قدمتها لنفسي في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، قال: رحمك الله. فأمر له بوسق من طعام وثوبين، فقال: أما الطعام فلا حاجة لي فيه قد تركت في المنزل صاعين من شعير إلى أن كل ذلك يكون قد جاء الله بالرزق (ولم يأخذ الطعام). وأما الثويان فإن أم فلان عارية - يعني زوجته . فأخذهما وعاد إلى أهله

وددت أن لي رجالا مثل عمر بن سعد


 استعين بهم في أعمال المسلمين وظل حياته كلها زاهد ورعا لا يريد الولاية ولا المناصب، بل لا يريد الدنيا بأسرها فهو يريد أن يلحق بنبيه ويخشى أن تحول الدنيا بينه وبين تلك الأمنية الغالية . بلغ ذلك عمر فشق عليه ونرحم عليه وخرج يمشي ومعه المشاؤون إلى بقيع الغرقد فقال لأصحابه: ليتمن كل رجل منكم أمنية. فقال رجل: يا أمير المؤمنين وددت أن عندي مالا فأنفقه في سبيل الله، وقال آخر: وددت أن لي قوة فأصيح بدلو زمزم لحجاج بیت الله، فقال عمر بن الخطاب: وددت أن لي رجالا مثل عمیر بن سعد أستعين بهم في أعمال المسلمين.

وعن عبد الرحمن بن عمیر بن سعد قال: قال لي ابن عمر: ما كان من المسلمين رجل من الصحابة أفضل من أبيك. .
وعن ابن سیرین، قال: كان عمر من عجبه بعمیر بن سعد يسميه (نسيج وحده).

ليست هناك تعليقات