آخر الأخبار

الحملة الصليبة الخامسة حملة (حنا دي برين)



 الحملة الصليبة الخامسة  حملة (حنا دي برين)

الحملة الصليبة الخامسة
حملة (حنا دي برين)

البداية:

إذا كان الصليبيون قد أدركوا منذ بداية القرن الثاني عشرانمصر هي مركز المقاومة الحقيقية في الشرق، وأنه بعد الوحدة بينها وبين بلاد الشام في جبهة إسلامية واحدة غدا الكيان الصليبی مطوقا في بلاد الشام، وأن مصر أصبحت المورد الأساسي للقوى البشرية والمادية التي مكنت الأيوبيين من اكتساح مملكة بيت المقدس" ، فإن دعاة الحركة الصليبية قد توصلوا منذ نهاية القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر، إلى أن مفاتيح بیت المقدس توجد في القاهرة، فقد نصح الملك ريتشارد الصليبيين بالهجوم على مصر، كما أن مجمع اللاتيران ذکر مصر کهدف رئيسي للهجوم الصليبي . ولهذا تحتم على الصليبيين البدء أولا بوصفها الطريق الحقيقي الموصل إلى بيت المقدس ، وكان ذلك سببا في تغير هام وخطير طرأ على اتجاه الحركة الصليبية ، إذ استأثرت مصر منذ بداية القرن الثالث عشر بجهود الصليبيين.
وكانت جموع الصليبيين تفد على بلاد الشام طوال سنتی ۱۲۱۷م ، ۱۲۱۸م تلبية للدعوة التي وجهها البابا إنوسنت الثالث، ثم تعهدها بعده البابا هونريوس الثالث ، ففي ربيع سنة ۱۲۱۸م وصل أسطول يحمل جموعا من الألمان، قادما بصفة أساسية من إقليم کولون بألمانيا) ، فأضاف بمن حملهم من الألمان الشماليين إلى قوةالصلبيين ببلاد الشام.
مالبث الملك جای دی برين أن عقد مجلسا لمناقشة كيفية الاستفادة من هذه الجموع، ثم بدأ يعد العدة للقيام بحملته على دلتا مصر ، بعد سفر ملك هنغاريا إلى بلاده، وأيد الملك جاي في ذلك الدارية والاسبتارية وصلیبی قبرس ، وتحمس قادة الصليبيين في بلاد الشام لإتمام هذا المشروع ، واختيرت دمياط على الفرع الشرقی للنيل لتكون هدفا للهجوم . وبعد أن ترك حامية في عكا للدفاع عنها، أثناء غيابه، خرج جان على رأس ما استطاع إعداده من الرجال والسفن في أواخر مايو سنة ۱۲۱۸م قاصدا دمياط مفتاح النيل .
ونظرا لافتقار الصليبيين في هذه المرة لقاعدة يمكنهم الارتكاز عليها لغزو مصر بريا كما حدث على عهد عموري الأول، الذي اتخذ من عسقلان قاعدة وجه منها حملاته المتكررة على مصر، وأثبت من خلالها أن الوصول إلى القاهرة عن طريق الصحراء الشرقية أسهل بكثير.
ونظرا لافتقار الصليبيين في هذه المرة لقاعدة يمكنهم الارتكاز عليها لغزو مصر بريا كما حدث على عهد عموري الأول، الذي اتخذ من عسقلان قاعدة وجه منها حملاته المتكررة على مصر، وأثبت من خلالها أن الوصول إلى القاهرة عن طريق الصحراء الشرقية أسهل بكثير من قصدها عن طريق البحر والنيل ، فقد لجأ جان دی برين إلى اتخاذ الطريق البحري، والنزول بدمياط أقرب المواني المصرية إلى صليبي الشام، ورست السفن الصليبية أمام دمياط فعلا في ۲۹ مایو سنة ۱۲۱۸م، وعسكر الصليبيون على الضفة الغربية للنيل في مواجهة مدينة دمياط، ونزل إلى الشاطىء كل من الملك جان دی برین ودوق
- تسلك الحملة طريق البحر لأن ذلك يعطي الصليبيين قدرة أكبر من الأمان لعدم وجود قاعدة التي توفرت للملك السابق عموري الأول في عسقلان، كما أن هذه القوات تصل إلى هدفها وهي في حال الراحة ما يمكنها من القيام بعملياتها العسكرية بنشاط. والجدير بالذكر أن هدف الحملة كان مدينة دمياط إحدى المدن الثلاث الرئيسية في مصر، بالإضافة إلى أنها أفضل المواقع للهجوم على مصر كلها ، فهي أقرب الموانيء المصرية إلى الصليبيين في بلاد الشام، كما أن فرع دمياط يمثل أيضا طريقة سهلا للمواصلات التي تربطهم بقواعدهم في البلاد المذكورة ومنهم من غزو الدلتا كلها قبل التقدم إلى القاهرة للاستيلاء عليها).
. تزويد الحملة بالمؤن التي تكفيها لمدة ستة أشهر، وتحملت قبرص العبء الأكبر من هذه المواد التموينية).
- استعمال السفن الفريزية الراسية في سواحل بلاد الشام، وعددها حوالي ثلاثمائة سفينة، لنقل الجنود ودوابهم وآلاتهم ومعداتهم.
ووصلت في هذا الوقت رسالة من البابا هونوريوس الثالث في (۲۱ صفر /۱۸ أيار) تتضمن تعيين الكاردينال بيلاجيوس أسقف ألبانو، مندوبة عنه في الحملة الصليبية، وطلب من الجميع طاعته).
الصليبيون ينزلون في دمياط
استقل الجيش الصليبي، الذي بلغ عدیده حوالي أربعين ألفا، السفن في عكا بقيادة الملك يوحنا بريين بتاريخ (۲۹ صفر / ۲۳ أيار)، ووصل إلى دمياط بعد بضعة أيام، ونزل أفراده إلى البر، ونصبوا معسكرهم على الضفة الغربية للنيل المواجهة للمدينة، وقد وجدوها محنة تحصينة قوياه).
تقع دمياط على مسافة ميلين من مصب نهر النيل، وتحميها من الخلف بحيرة تنیس (المنزلة)، وتمتد بعرض النيل سلاسل من حديد عظام القدر والغلظ، لتمنع المراكب الواصلة في بحر الملح من عبور أرض مصر» بالإضافة إلى برجالسلسلة، وهو بمثابة حصن وسط مجرى النيل لحماية المدينة، وصد أي عدوان يقع عليها ، وقد حال دون تقدمهم، لذلك كانت مهمتهم الأولى هي الاستيلاء على هذا البرج ليتمكنوا من النزول على الضفة الشرقية للنيل جنوبي المدينة، فيسهل عليهم مهاجمتها).



فوجئ سكان دمياط بتواجد الصليبيين أمامهم وهم يتحفزون للهجوم عليهم، فاستعدوا للدفاع عن مدينتهم، فخرنوا المؤن وأرسلوا إلى الكامل محمد في القاهرة يخبرونه بنزول الصليبيين في دمياط، فأسرع على رأس جيشه واتخذ طريقه صوب المدينة، وطلب من والي الغربية أن يجمع سائر العربان وينضم إلى قواته، واستقر الجميع في العادلية جنوبي دمياط ليكون على اتصال بالمدينة من جهة ويمنع الصليبيين من العبور إليها من جهة أخرى). وكان الملك الكامل ينوب عن والده العادل في حكم مصر في ذلك الوقت، وحين علم بنزول الصليبيين قبالة دمياط، بادر على رأس جيشه وعسکر جنوبی دمیاط على الضفة الشرقية للنيل عند منزلة العادلية بقرب دمياط ، ليكون على صلة بالمدينة من جهة وليتصدى للصليبيين إذا هم حاولوا العبور إليها من جهة أخرى، في الوقت الذي أدرك فيه هؤلاء أنهم أخطأوا برسوهم على الضفة الغربية للنيل بدلامن الضفة الشرقية القائمة عليها مدينة دمياط فعلا، وبدت أمامهم مشكلة عبور النيل إلى الضفة الشرقية، حيث المدينة) .
واستبسلت حامية برج السلسلة في الدفاع حتى قضى الصليبيون قرابة ثلاثة أشهر في الهجوم دون فائدة، كان الملك الكامل خلالها ينظم دفاعاته ويجمع الجند، وأتاحت له هذه المدة فرصة الاستعداد الطيب ، وداوم الفرنج قتال البرج وتابعوه ، فلم يظفروا منه بشیء" ، لذلك لجأ الصليبيون إلى مهاجمة البرج بكل العدد الثقيلة والآلات المتحركة وغيرها، فنجحوا في النهاية في اقتحامه في أواخر أغسطس سنة ۱۲۱۸م ، وترتب على ذلك قطع السلاسل التي كانت تعترض مجرى النهر، وتهديد دمياط والأراضي المصرية تهدیدا خطيرا " فلما ملكوه قطعوا السلاسل لتدخل مراكبهم من البحر المالح إلى النيل ويتحكموا في البر، إذ كان برج السلسلة على درجةسقوط برج السلسلة
الم تنقطع المناوشات بين الطرفين منذ أن وطئت أقدام الصليبيين البر في دمياط، ولكنها لم تكن فقالة، وأدرك هؤلاء بنتيجتها فداحة الخطأ الذي ارتكبوها برسوهم على الضفة الغربية للنيل بدلا من الضفة الشرقية القائمة عليها مدينة دمياط ما أثار أمامهم مشكلة صعبة في تخطي الانتقال إلى الضفة الشرقية، هذا فضلا عن أنهم أضاعوا كثيرة من الوقت ما أعطى المسلمين فرصة كافية للاستعداد والدفاع .
وقام الصليبيون بأول محاولة لاقتحام المدينة، في (26 ربيع الأول 615ه/ ۲۲ يونية ۱۲۱۸م)، لكنهم فشلوا وعادوا إلى معسكرهم، وظلت قذائف المناجیق تنهال عليهم لإلحاق الضرر بهم. وتبين للصليبيين أن برج السلسلة هو العقبة الرئيسة التي تحول دون تقدم سفنهم وينبغي عليهم تذليلها، وبعد ثلاث محاولات فاشلة، نجحوا في محاولتهم الرابعة في الاستيلاء عليه، فقطعوا السلاسل التي تعترض مجرى النهر، وأضحي بوسع سفنهم أن تجتاز النهر إلى أسوار دمياط).
ولا شك بأن سقوط برج السلسلة في قبضة الصليبيين وتدمير تلك السلاسل التي تحمي مجراه، جاء خسارة كبيرة للمسلمين لأن ذلك البرج يعد اقفل الديار المصرية  وفاة العادل


أرسل الكامل محمد إلى أبيه العادل، وكان لا يزال يعسكر قرب دمشق، يخبره بسقوط برج السلسلة ويلتمس مساعدته، لكن العادل لم يتحمل الصدمة، فدق بیده على صدره أسفا وحزنا، ومرض لساعته مرض الموت، ثم توفي يوم الخميس في (۷ جمادى الآخرة 115ه/ ۳۱ آب ۱۲۱۸م)).
ونظرا لما قد يحدثه خبر الوفاة من تأثير على الروح المعنوية للجنود المسلمين
لوضع العسكري في دمياط بعد سقوط برج السلسلة:
كان أول عمل أقدم عليه الكامل محمد بعد سقوط برج السلسلة، هو إقامة جسر عظیم بعرض مجرى النهر في جنوبي البرج ليمنع الصليبيين من الصعود في النهر، لكن هؤلاء قطعوا ذلك الجسر، فلجأ الكامل محمد عندئذ إلى ثقب مراكب عدة وأغرقها بعرض النيل لتكون بديلا للسلسلة الحديدية والجسر. كانت هذه فكرة عملية نفذت بتعقل وإحكام ، وأعادت للمسلمين السيطرة على مجرى النيل، على أن الكارثة لم تكن عندهم من الخطورة التي كان يخشاها العادل"، فلو أن الصليبيين واصلوا ضغطهم، وبادروا إلى مهاجمة دمياط من الناحية الغربية، وكانت الفرصة متاحة لهم، لتغيرت نتائج الحملة، والراجح أن المدينة كانت قد سقطت في أيديهم، غير أن هؤلاء ترددوا بعد الاستيلاء على برج السلسلة، واعتقد كثير منهم أنهم وفوا بوعودهم، وأن مهمتهم قد انتهت بسقوط ذلك البرج، فانسحبوا عائدين إلى بلادهم، وبات على الملك يوحنا بريين ومن بقي معه أن ينتظروا قدوم الإمدادات من الغرب فجنحوا إلى الكسل والخمول .
ولا شك بأن حال الركود هذا، أعطى الفرصة للمسلمين لإعادة تنظيم صفوفهم بعد أن تندموا بسقوط برج السلسلة ووفاة العادل، ولو علموا برحيل بعض القوات الصليبية إلى بلادها، وهاجموا بقية الصليبيين، لربما وفر ذلك عليهم جهد وعناء وما فضلا عن الرجال خلال مدة إقامة الحملة).


وعلى الرغم مما لجأ إليه الملك المعظم بن العادل من الهجوم على أملاك الصليبيين ببلاد الشام، حيث أنزل الهزيمة بفرسان عکامن الداوية في نفس الوقت تقریبا" ، فضلا عن دخوله قيسارية وتخريبها، وقيام الابن الآخر للعادل وهو الأشرف موسی بمهاجمة إمارة طرابلس، حيث تعاون الأخوة الثلاثة لمحاربة صليبى الحملة الخامسة ، وعلى الرغم أيضا من تطور الأمور في المعسكر الصليبي في مصر، بعد انسحاب فريق من المحاربين عائدين إلى بلادهم، الأمر الذي أجبر قائد الحملة - الملك جان دی برین - على الانتظار لوصول مدد جديد من أوربا في منتصف سبتمبر سنة ۱۲۱۸م والذي وصل وفي صحبته مندوبا بابويا هو الكاردينال بلاجيوس Pelagius ، صارت له كلمة مطاعة بين الصليبيين، الأمر الذي أدى إلى ازدواج القيادة ووقوع الاضطراب في المعسكر الصليبي ، في الوقت الذي عانى فيه كثير منإلى اللون الأسود، ومات من جراء ذلك عدد كبير منهم، فضلا عن ارتفاع منسوب ماء النهر الذي يحدث في مثل ذلك الوقت من كل عام ، أقول على الرغم من كل ذلك، إلا أن الصليبيين مضوا في هجومهم على دمياط، ولم تجد محاولات الملك الكامل لايقاف زحفهم.


ثم ساءت أحوال الملك الكامل فجأة على إثر قيام مؤامرة ضده تزعمها ابن المشطوب"، لعزل الكامل وإحلال أخيه الفائز محله في الحكم، واشترك مع ابن المشطوب في هذه المؤامرة عدد من القادة الأكراد، وأنذر ذلك بشر مستطير خاصة وأن هذا الرجل كان مطاعا بين عدد كبير من قادة الجيش " لأنه أكبر أمير بمصر" ، فاستبد القلق بالملك الكامل فهجر معسكره ليلا إلى أشموم طناح في 5 فبراير سنة ۱۲۱۹م، وفي صباح اليوم التالى حين لم يجد الجند السلطان بينهم، اضطربوا وماجوا وتركوا المعسكر مخلفين وراءهم كل ما كان وكان الملك الكامل قد بعث يستنجد بأخيه المعظم عيسى ملك دمشق، وما أن وصل هذا إلى مصر حتى طابت نفس الكامل، وارتفعت معنوياته، وخاصة بعد أن أمر العظم بالقبض على ابن المشطوب وإرساله ليسجن بحصن الكرك بالشام، بينما أمر بنفي الفائز إلى سنجار، وأرسل الفائز فعلا إليها لكنه ما لبث أن توفي في الطريق قبل وصوله ") ، وأدى القضاء على تلك المؤامرة إلى إقرار الأمور في المعسكر الاسلامی، الأمر الذي جعل الكامل وأخيه المعظم يتقدمون على رأس فرقهم مرة أخرى نحو الشمال لاحتلال موقع جديد عند فارسكور الحالية، على بعد نحو ستة أميال جنوب دمياط وجنوبی منزلة العادلية ليتسنى للمسلمين الهجوم على الفرنج من الخلف إذا تجرأوا وهاجموا مدينة دمياط في الوقت الذي سنحت فيه الفرصة للملك الصليبی جان دی برین لتطويق المدينة والاقتراب منها) .

سقوط دمياط في أيدي الصليبيين:

عادت الروح إذن من جديد للمسلمين داخل دمياط وخارجها، وأخذت حامية المدينة تقاتل باستبسال لمدة تسعة أشهر برغم المحاولات المستميتة التي بذلها الصليبيون لاسقاطها، وفي نفس الوقت بعث الملك الكامل والملك المعظم يستنجدان بكافة القوى الإسلامية. لقتال الفرنج، ويطلبان المساعدة من الخليفة العباسي، ومن أمراء المسلمين في بلاد الشام والعراق وفي المشرق ، ويبديان قلقهما من احتمال تغلب الصليبيين على مصر، فإذا اسقطت مصر هدد الغزاة بقية ممالك الاسلام  .


ولهذا فقد بدأت النجدات تصل من بعض البلدان الاسلامية ، ولكن لم يصل 
شيء مما وعد به الخليفة العباسي، فقد وصلت فعلا بعض النجدات من حماة ومن حلب، واستمرت مقاومة دمياط على الرغم مما أخذت تعانيه حاميتها حينئذ من الأمراض ، وفي نفس الوقت أيضا وصلت نجدات للصليبيين من الغرب الأوربي من فرنسا ومن جزيرة قبرص، وذلك في أوائل سنة ۱۲۱۹م ، وفي سبتمبر من نفس العام ونظرا لازدياد أحوال حامية دمياط سوءا " إذ تعذرت عليهم الأقوات " ، اضطر الملك الكامل إلى الدخول في مفاوضات مع الصليبيين، فعرض عليهم استعداده لإجراء مملكت بیت المقدس
الواقع أنه لا يوجد تبرير مقنع لا للعرض المغري الذي تقدم به الكامل محمد إلى الصليبيين، ولا لرفض هؤلاء لهذا العرض السخی جدأ، لكن يبدو أن الكامل محمد شعر بصعوبة موقفه في الوقت الذي ساء فيه موقف حامية دمياط بعد أن تعرضت للمجاعة والوباء «فنهكتهم الأمراض، وغلت الأسعار عندهم، وامتلأت الطرقات من الأموات، وعدمت الأقوات و مما زاد الموقف سوءا:
. وصول إمدادات صليبية إنكليزية وفرنسية عضت النقص الذي نتج عن عودة بعض الصليبيين إلى أوروبا .
- فشل محاولة الكامل محمد إمداد حامية دمياط بالعساكر لتخفيف الضغط عنها . - لقد اعترى القلق المعظم عیسی، فأخذ يفكر جديا في العودة إلى بلاد الشام . - توقف الإمدادات من بلاد الشام بفعل اشتداد الخطر المغولي.
- الصراع الذي نشب بين الأشرف موسى والأفضل علي على امتلاك حلب وانهماكهما بذلك.

ولم يكن أمام الكامل محمد للخروج من هذا المأزق سوی تجدید عرض الصلح، غير أن مواقف الأطراف الصليبية المتعارضة لم تتغير وبخاصة أنهم شدوا الحصار على دمياط وضيقوا على أهلها، ومنعوا وصول الأقوات إليهم، كما كانوا متحصنين داخل معسكراتهم المحاطة بالخنادق والأسوار، وإذ تعذر على الكامل محمد إمداد المدينة بالرجال والمؤن، بدأت حاميتها بالانهيار.
وأخيرة سقطت دمیاط في (24 رجب 116ه/ 5 نوفمبر ۱۲۱۹م) بعد حصار دام تسعة عشر شهرة، ودخلها الصليبيون بعد يومين، وكان لسقوطها أثر بالغ في نفوس المسلمين، ما جعلهم يتكاتفون لصد الخطر الداهم وإجلاء المعتدين، في الوقت الذي استعد فيه الصليبيون للزحف نحو القاهرة للاستيلاء عليها وتحقيق الهدف الأسمى للحملة).
وهكذا أضحى العالم الإسلامي في الشرق الأدنى مطوقة بخطر المغول من الشرق، وخطر الصليبيين من الغرب .

الصليبيون يزحفون نحو القاهرة:

تشجع المندوب البابوي بعد وصول الإمدادات إلى دمياط، واستغل حماس القوات الصليبية التي جاءت أخيرة من أوروبا، ليقوم بالزحف نحو القاهرة، وقد أيده هؤلاء ومن بينهم لويس دوق بافاريا الذي تجاهل تعلیمات الامبراطور.
وفي (أوائل جمادی الأولی ۱۸ آه أوأخر حزيران ۱۲۲۱م) أصدر أوامره بتحرك الجيش، ولما كان قد اتخذ هذا القرار بغياب الملك يوحنا بريين، فقد رفض القادة العسكريون تنفيذه، فاضطر إلى استدعاء الملك الصليبي الذي عاد إلى دمياط في (14 جمادى الأولى/6 تموز) وقد استبد به التشاؤم لأنه كان يرى انتظار وصول الامبراطور، وأن الوقت لم يكن مناسبة للقيام بهذه العملية لأن فيضان النيل سيجعل من المتعذر على الصليبيين الاتصال بقاعدتهم في دمياط بعد مغادرتها، وأنه سيصبح من الصعب عليهم الاحتفاظ بالأراضي التي سيستولون عليها، لأن الصليبيين الوافدين تواقون للعودة إلى بلادهم وليس البقاء في الشرق .

ومهما يكن من أمر، فقد تحرك الجيش الصليبي في (۱۹ جمادى الأولى/۱۱ تموز) نحو فارسكور ثم شرمساح ولما علم الكامل محمد بذلك تقدم إلى شرمساح ليلتقي به، غير أنه تراجع عندما هاله ضخامته علما بأن المؤرخين قروه بين تسعة آلاف وعشرة آلاف مقاتل وستمائة وثلاثين سفينة ، فاستولى الصليبيون عليها، والتمس الملك يوحنا بريين من بيلاجيوس البقاء فيها إذ حان وقت فیضان النيل، وأخذت قوات من بلاد الشام تقترب من مصر، غير أن المندوب البابوي أصر على مواصلة الزحف
وفي هذا المكان المليء بالقنوات والفروع المائية استطاع الكامل محمد، بمساعدة أخويه المعظم عیسی والأشرف موسی اللذين وصلا حديثة إلى مصر، أن ينزل قوات خلف الجيش الصليبي المتقدم، فقطع علیه خط الرجعة وعزله عن دمياط، وأجهز على سفنه الراسية بين المقدمة والمؤخرة، وحاصره برا وبحرة، ثم فجر سدود المياه، فلم يشعر الصليبيون إلا وقد غرقت أكثر الأراضي المحيطة بهم، كما سيطر على الطريق الذي يمكن أن يسلكوه، وهو الشريط الضيق الملاصق للنيل والممتد من معسكرهم شمالا حتى دمياط، وهو الطريق الوحيد لعودتهم برة إلى دمياط 
وعلى هذا الشكل سيطر المسلمون على الموقف.
وإذ تعذر على القوات الصليبية التقدم أو الانسحاب، أدرك بيلاجيوس أنه ارتكب خطأ عسكرية بمغادرة دمياط، ولم يبق أمامه للخروج من هذا المأزق سوى الصلح

 بيلاجيوس يعرض الصلح على الكامل محمد

أرسل بيلاجيوس سفارة إلى الكامل محمد في (7 رجب / ۲۸ آب) لطلب الصلح، وأعرب عن استعداده لمغادرة دمياط مقابل السماح لهم بالخروج من المأزق الذي وقعوا فيه وتركهم يعودون إلى بلادهم سالمين على أن تستمر الهدنة مدة ثماني سنوات ويصادق عليها الامبراطور كما يتم تبادل الأسرى".
مال الكامل محمد إلى قبول عرض الصلح، ولعله كان مدفوعة بعوامل عدة أهمها:
. خشيته من حضور الامبراطور فريدريك الثاني فينتقم لما حل بالصليبيين ويحتفظ بدمياط.
- إن استعادة دمياط تحتاج إلى مجزرة لا داعي لها وربما لا يقدر عليها وبخاصة أن قواته ضجرت من طول مدة الحرب التي استمرت ثلاث سنوات وثلاثة أشهر. . أستمرار وصول الإمدادات إلى الصليبيين في دمياط ما سيجعل مهمته صعبة ومعقدة وربما لا تحقق النتائج التي عرضها بيلاجيوس.
- توارد الأنباء من الشرق عن تقدم المغول باتجاه غربي آسيا، فأراد أن يذخر ويتفرغ للغزو المغولي إذا ما استمر في التقدم إلى قلب العالم الإسلامي.
والحقيقة أن الكامل محمد اتصف بفكر سياسي نير، أما أخواه فكان من مصلحتهما رفض الصلح والقضاء على الصليبيين وهم في محنتهم حتى لا تشكل عودتهما إلى بلاد الشام سالمين خطرة على أملاكهما . وأخيرا جلا الصليبيون عن دمياط في (۱۷ رجب ۱۱۸ ه/ ۷ أيلول ۱۲۲۱م) فدخلها الكامل محمد في اليوم الثاني ).

وهكذا انتهت الحملة الصليبية الخامسة والمنحرفة عن أهداف الصليبيين الحقيقية إلى الفشل .

أٌقرأ أيضا:




ليست هناك تعليقات