آخر الأخبار

عمرو بن الجموح (سيد بنى سلمه)



عمرو بن الجموح  أريد أن أخطر بعرجتي في الجنة

عمرو بن الجموح

(  أريد أن أخطر بعرجتي في الجنة  )


حال العرب في الجاهلية



كان العرب قبل البعثة تابعين لقريش وأهل مكة في أمور العقيدة والديانة، و كانواينظرون إلى قريش نظرة إكبار، فهم سنة البيت وقاده الذين يقتدون بهم في الاعتقاد والعبادة، وكانوا خاضعين شبه خضوع كامل للوثنية السائدة على أرض العرب، يعيدون من الأصنام ما كانت تعبد قبيلة قريش، وأهل مكة، غير أن هذه الأصنام كان لبعضها تعظيم في النفوس أكثر من بعضها الآخر، وكانت العلاقة والارتباط بها أقوى من سائرها، وذلك لاعتبارات كانوا ينظرون إليها بمقاييس ومعايير خاصة بهما.
وها نحن على موعد مع معجزة من معجزات الإيمان التي تصور لنا مشهد عظيمه  السيد من سادات (بني سلمة) كان قد اتخذ صنما يدعي مناف ليتبرك به ويذبح له ويدعوه ليلا ونهارا.
ولقد كان يحب هذا الصنم حبا ملك عليه به وفؤاده، مما جعله يعتني به أشد العناية فيأتي إليه بأطيب أنواع العطور، ويضمخه بها، ولا يقدم على أي أمر إلا بعد أن يأذن له ذاك الصنم - فيما يزعم - وما إن لامس الإيمان شغاف قلبه حتى رأی الحقيلة التي جعلته  يخجل مما كان يفعله أيام الجاهلية، وأقبل بقلبه وجوارحه على خدمة هذا الدين والذود عن حياضه ... مستعلا العذاب في سبيل الله، فلقد جعل نفسه وماله وولده في خدمة هذا الدين العظيم.

قصة إسلامه


 و أوجس عمرو بن الجموح خيفة من الداعية المكى مصعب بن عمير، فقد استطاع هذا الشاب الى أن ينتزع كبار الأشراف من شر الوثنية، وقد انضم إلى ركب الإسلام عدد غير قليل من الأوس والخزرج، وأعلنوا إسلامهم، وقد نمى إليه أن سيد الأوس اسعد بن معاذ قد أسلم وقومه أجمعين، وكما نمي إليه أن كثيرا من أبناء قبيلته پنی سلمة قد فارقوا دينهم ودين آبائهم، وانضموا إلى رعيل المسلمين، حتى إن صديقه وصفيه عبد الله ابن عمرو بن حرام قد أعلن إسلامه، وكذلك ولده الأثير لديه امعا ابن عمرو» قد أسلم أيضا، وقد شهد كل من عبد الله (صديقه) ومعاذ (والده) العقبة
وبايعا الرسول ، وأضحي عبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء في تلك الليلة المباركة.

فتعالوا بنا لنعيش تلك الدقائق التي لا تحسب من العمر مع كوكب من کواکب المجموعة النبوية ... تلك الكوكبة التي نبتت في حقل الإسلام وسقيت بماء الوحی فأثمرت حتى كادت أغصانها أن تعانق كواكب الجوزاء
عن عكرمة، قال: قدم مصعب بن عمير المدينة يعلم الناس. فبعث إليه عمرو بن الجموح: ما هذا الذي جئتمونا ؟ قالوا: إن شئت جئناك، فأسمعناك القرآن؟ قال: نعم فقرا صدر من سورة «يوسف». .
فقال عمرو: إن لنا مؤامرة في قومنا. وكان سيد بني سلمة, فخرجوا، ودخل على مناف
فقال: يا مناف! تعلم والله ما يريد القوم غيرك، فهل عندك من نكير؟ قال: فقلده السيف وخرج، فقام أهله فأخذوا السيف، فلما رجع، قال: اين السيف يا مناف؟ ويحك! إن العنز لتمنع إستها، والله ما أرى في أبي جعار غدا من خير.
ثم قال لهم: إني ذاهب إلى مالى فاستوصوا بمناف خير. فذهب، فأخذوه فكسروه وربطوه مع كلب میت وألقوه في بئر، فلما جاء قال: كيف أنتم؟ قالوا: بخیر یا سیدنا، طهر الله بيوتنا من الرجس۔

قال: والله إني أراكم قد أسأتم خلافتی فی مناف. قالوا: هو ذاك، فانظر إليه في ذلك البئر. فأشرف فرآه، فبعث إلى قومه فجاءوا فقال: ألستم على ما أنا عليه؟ قالوا: بلی أنت سیدنا، قال: فأشهدكم أنی قد آمنت بما أنزل على محمد
وفي رواية(2): أنه كان عمرو بن الجموح سيدة من سادات بنی سلمة، وشريفا من أشرافهم، و كان قد اتخذ في داره صنما  من خشب، يقال له: مناة - أو مناف - كما كانت الأشراف يصنعون، يتخذه إلها بعظمه وظهره، فلما أسلم فتيان بني سلمة: معاذ بن جبل، وابنه معاذ بن عمرو بن الجموح، في فتيان منهم ممن أسلم وشهد العقبة، كانوا يدلجون  بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس - 

مخلفاتهم - منكساعلى رأسه؛ فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم! من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ قال : ثم يغدو يلتمسه، حتى إذا وجده فغسله وطهره وطيبه؛ ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزینه، فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك؛ فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذي، فيغسله ويطهره ويطيه ثم يعدون عليه إذا أمسيه فيفعلون به مثل ذلك. فلما أكثروا عليه، استخرجه من حيث القوه يوما، فغسله وطهره وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك. فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم القوه في بئر من آبار بنی مسلمة، فيها عذر من عذر الناس، ثم غدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به.
فخرج يتبعه حتى وجده في تلك البئر منکسا مقرونا بكلب ميت، فلما رآه وأبصر شأنه، و كلمه من أسلم من الرجال  قومه، فأسلم برحمة الله وحسن إسلامه.

فقال حين أسلم وعرف من الله ما عرف، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره، ويشكر الله تعالى الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة
 وكانت نفسه قد اشتاقت إلى الجهاد في سبيل الله والشهادة في سبيله ليكفر الله عنه ما أسلف من الذنوب والسيئات.. وذلك لأنه أسلم وكان عمره قد جاوز الستين من عمره
فلما كانت غزوة بدر أراد (عمرو) أن يخوضها فمنعه أولاده خوفا عليه لكبر سنه وضعفه.. فتألم لذلك الما شديدا.


ابنه يقتل فرعون هذه الأمة


 وفي تلك الغزوة سطر ابنه (معاذ بن عمرو) صفحة مضيئة على جبين التاريخ عندما شارك في قتل ابي جهل.
بقول معاذ: «جعلت أبا جهل يوم بدر من شأني. فلما أمكنني حملت عليه، فضربته فقطعت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة بن أبي جهل على عاتقی، فطرح يدی وبقيت معلقة بجلدة بجنبي وأجهضنى عنها القتال، فقاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت قدمي عليها ثم تمطأت عليها حتى طرحتها...
قال الإمام الذهبي فهذه والله الشجاعة، لا كآخر ينقطع قلبه وتخور قواه من خدش بسهم.
وانطلقت سيوف المسلمين تحز في الأعناق، وتبتر الأيدي، وتبعثر الأشلاء، وقد القى الله - تعالى - الرعب في قلوب المشركين، ولم تمض ساعات قليلة حتى تحقق النصر للمسلمين، وعادوا وبشارات النصر قد سبقتهم إلى المدينة، ونادي أن قتل أبو جهل و قتل معه عدد من كفار قريش وفرسانهم، واستطار فؤاد عمرو بن الجموح فرحا بصنيع ولده معاذ و قتله أبا جهل، وحمد الله الذي جعل أولاده يكسبون شرف الجهاد وغايته .
وظل عمرو بن الجموح ملازما للحبيب يتبس من هدیه وسمته وأخلاقه حتى أحبه النبي حبا جما

النبي بيزكيه بين قومه


 لقد كان (عمرو) - رضي الله عنه - مفطور على الجود والكرم والسخاء وعلى الرغم من ذلك فإنه لما أسلم وخالط الإيمان شغاف قلبه زاد جوده وكرمه، فجعل ماله وولده في خدمة دينه وإخوانه
وها هو الحبيب  يوضح ويبين منزلة عمرو بن الجموح بين قومه وعشيرته، ويضع وسام الشرف على صدره من بين الناس أجمعين
فعن جابر - رضي الله عنه -: أن رسول الله قال: يا بني سلمة! من سید کم؟  قالوا: الجيد بن قيس، وإنا لنبخله - نتهمه بالبخل - قال: «وای دواء أدوي من البخل؟ بل سید کم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح»

وحان وقت الرحيل


 و استدار عام كامل، فخرجت قريش إلى «أحد»، وقد جمعت جموعها لمعركة الانتقام والثأر من المسلمين في بدر، فأعدت عزائمها وأحقادها وثاراتها وسلاحها، وزحفت بذلك جميعه نحو أحدها تريد القضاء على الإسلام في عقر داره.

وتمضي الأيام مسرعة ومازال عمرو تهفو نفسه ويشتاق قلبه إلى الفوز بالشهادة في سبيل الله على الرغم من أن الله قد عذره من فوق سبع سموات
لقد كان - رضي الله عنه - أعرج شديد العرج، وكان له أربعة أبناء شباب يغزون مع رسول الله ، فلما توجهوا إلى أحد إراد أن يخرج معهم فقال له بنوه: إن الله جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عن الجهاد فأتى عمرو رسول الله  فقال: إن بني هؤلاء يمنعونني أن أجاهد معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد ، فاطأ بعرجتي في الجنة . فقال له رسول الله : أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد وقال لبنيه: «وما عليكم أن تدعوه، لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة فخرج مع رسول الله

 فقتل يوم أحد شهيد .قالت امرأته هند أخت عبد الله بن عمرو بن حرام: كأني أنظر إليه قد أخذ در قته وهو يقول: اللهم لا تردنی
هكذا كان يتمنى الشهادة من كل قلبه ولا يتمنى أن يرجع سالا غائما فقد علم أن الغنيمة التي لا يجب أن تفوته أبدا هي الفوز بالشهادة، ومن ثم بالخلود في جنة الرحمن - جل وعلا - فلما كان يوم أحد قال رسول الله :قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين فقام وهو أعرج فقال: والله لأقحزنعليها في الجنة ، فقاتل حتى قتل .

وفي رواية: أنه أتي عمرو بن الجموح إلى رسول الله ؟ ، فقال: يا رسول الله ! أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، أأمشي برجلى هذه صحيحة في الجنة؟ و كانت رجله عرجاء، فقال رسول الله : نعم. فقتل يوم أحد هو وابن أخيه و مولی له. فمر رسول الله ، فقال : كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة » فأمر رسول الله بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد
هكذا يبحث المسلم عن أي دور لخدمة دينه ... لا يجلس ويقول: دع ما 

لکسری الکسری وما لقيصر لقيصر، بل تحرك أخي المسلم لنصرة دين الله
لقاء الأحبانية بعد الشهادة عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري، حليف بني زهرة: أن رسول الله لما أشرف على القتلى يوم أحد، قال: «أنا شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح يجرح في سبيل الله، إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه، اللون لون دم، والريح ريح مسك»، «وانظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن، فاجعلوه أمام أصحابه في القبر - و كانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر [الواحد ]
وقال ابن إسحاق: عن أشياخ من بني سلمة: أن رسول الله ، قال يومئذ، حين أمربدفن القتلى: «انظروا إلى عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد.

كرامة ثابتة لعمرو بعد موته وفي أيام معاوية - رضي الله عنه - كان السيل قد خرب قبرهما، فحفر منهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا، كأنما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن كذلك. فأميطت يده عن جرحه، ثم أرسلت، فرجعت كما كانت. و كان بين يوم أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة.

وهكذا رحل الشهيد عن دنيانا ليمشي برجله في الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ليست هناك تعليقات