آخر الأخبار

معركة الإسلام (معركةعين جالوت ) الجزء الثانى






معركة الإسلام (معركةعين جالوت )
1260م

الجزء الثانى 

وقفنا فى الجزء الاول عند وصول رسل التتار  الى مصر برسالةتهديد ووعيد   الى الملك المظفر قطز، تدعوه فيها يا اما التسليم والدخول فى طاعة التتار بقيادة هولا كو  او الحرب والدمار للبلاد ،ماذا فعل قطز وما هو  رده  فعلة  ورد فعل الامراء والعلماء ،وكيف تجهز للمعركة الفاصلة وسير المعارك ونتائجها ، تعالو بينا فى فى هذا الجزء نستوضح  تلك الامور  .

قرار قطز:

قرر قطز بعد أن استشار مجلسه العسكري أن يقطع أعناق الرسل الأربعة الذين أرسلهم إليه هولاكو بالرسالة التهديدية، وأن يعلِّق رءوسهم على باب زويلة في القاهرة؛ وذلك حتى يراها أكبر عدد من الشعب. وهو يرمي بذلك إلى طمأنة الشعب بأن قائدهم لا يخاف التتار، وهذا سيرفع من معنوياتهم، كما أن هذا الردَّ العنيف سيكون إعلانًا للتتار أنهم قادمون على قوم يختلفون كثيرًا عن الأقوام الذين قابلوهم من قبلُ، وقال له" بيبرس ارى ان نقتل رسل التتار،ونقصد كتبغا متضامنين فان انتصرنا او هزمنا فان فكلتا الحالتين معزورين "فاستصوب قطز هذا الكلام وامر بصلب رسل التتار بالليل .وفى الصباح وطدوا العزم على الحرب بحكم الضرورة ،وتاهبو للقتال (ذكر فى كتاب جامع التواريخ لرشيد الدين الهمذانى )

مشكلة تجهيز الجيش

وظهرت امام قطز مشكلة حقيقة! وهى مشكلة تجهيز الجيش بالعدد والاسلحة فماذا فعل ؟!جمع قطز رحمه الله مجلسه الاستشاري، ودعا إليه -إلى جانب الأمراء والقادة- العلماء والفقهاء، وعلى رأسهم سلطان العلماء الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله، واقترح قطزرحمه الله أن تفرض على الناس ضرائب لدعم الجيش، وهذا قرار يحتاج إلى فتوى شرعية
، ولا بد من وجود سند شرعي يبيح ذلك، وإلا صارت الضرائب مكوسًا، وفارض الضرائب بغير حق عقابه أليم عند الله .
إلا أن الشيخ العزّ بن عبد السلام كان عنده تحفظ خطير على هذا القرار، فلم يوافق عليه إلا بشرطين، والشرطان عسيران

جدًّا؟! قال الشيخ العزّ بن عبد السلام رحمه الله:إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم (أي العالم الإسلامي)، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم (أي فوق الزكاة) بشرط أن لا يبقى في
بيت المال شيء. هذا هو الشرط الأول، أما الشرط الثاني فكان أصعب!! قال الشيخ العزُّ بن عبد السلام رحمه الله: وأن تبيعوا ما لكم من الممتلكات والآلات (أي يبيع الحكاموالأمراء والوزراء ما يمتلكون)، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة؛ وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا.

وافق  قطز رحمه الله كلام الشيخ العز بن عبد السلام وبدأ بنفسه، فباع كل ما يملك، وأمرالوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك!! فانصاع الجميع، وتم تجهيز الجيش  المصرى .ونودى فى القاهرة  وسائر البلاد بالخروج الى الجهاد فى سبيل الله  ،ونصرة دين الله .وتقدم الملك المظفر الى سائر الولاه بازعاج  الجند فى الخروج للسفر ،ومن وجد منهم اختفى ضرب بالمقارع

خروج الجيش للقتال

سار حتى نزل بالصالحية (محافظة الشرقية )،وتكامل معة العسكر ،فطلب الامراء وتكلم معهم فى الرحيل ،فأبو كلهم علية وامتنعو عن  الرحيل .فقال لهم "يا أمراء المسلمين، لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجِّهٌ، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، وإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين (عن القتال) "
فتكلم الامراء الذين تخيرهم وحلفهم فى موافقة السير فلم يسع البقية الا الموافقة  وانفض الجميع .

معركة غزة

فلما كان فى الليل ركب السلطان ،وحرك كوساتة .فلما راى الامراء المسير ساروا على كره منهم ..فامر قطز الامير بيبرس ان يتقدم فى عسكر لمعرفةاخبار التتر ، فسار بيبرس الى غزةفى 26 من يوليو سنة 1260م وبها جموع التتر  غزة .
فارسل الامير بايدرا الذى كان فى طليعة جيش المغول بغزة الى  كتبغا، بالقرب من بعبلك  فرد علية كتبغا "قف مكانك" واكتشفت عيون التتار مقدمة الجيش الإسلامي بقيادة ركن الدين بيبرس، واعتقدت أن هذا هو جيش المسلمين كله، ونقلت الأخبار إلى حامية غزة التترية، وأسرعت الحامية التترية للقاء ركن الدين بيبرس، وحدث بينهما قتال سريع، هذا كله وجيش قطز الرئيسي ما زال يعبر الحدود الفلسطينية المصرية،  فتم اللقاء في غزة بمعزل عن الجيوش الرئيسية للمسلمين والتتار، وبفضل الله استطاعت مقدمة الجيش المسلم أن تنتصر في هذه الموقعة الصغيرة، وقُتِل بعض جنود الحامية التترية، وفرَّ الباقون .وطاردهم حتى نهر العاصى .



ثم نزل السلطان بالعساكر الى غزة  ونزل بها يوما واحد ،ثم رحل بطريق الساحل الى حصن عكا وكان بها يؤمئذ الفرنج ،فخرجوا الية بتقادم وارادو ان يسيروا معة فى نجده فشكرهم وأخلع عليهم ،واستحلفهم ان لايكونوا معه او علية ،واقسم اليهم انة  متى تبعهم فارس منهم  يريد اذى المسلمين ،رجع وقاتلهم قبل ان  يلقى التتر.
فامر السلطان بالامراء وجمعهم وحضهم على قتال التتر، وذكرهم بما وقع لاهل الاقاليم من القتل والحرق والسبى، وحذرهم من التراجع  وعقوبة الله للمتخازلين، فضجوا بالبكاء وتحالفوا على المسير واستنقاذ الشام ونصرة دين الله .

فأمر السلطان حينئذ الامير بيبرس بان يسير بقطعة من العسكرلمعرفة اخبار التتر  ،فسار حتى لقى طليعة التتار وناوشهم فتارة يقدم وتارة يحجم وكتب ذلك للسلطان يعلمة بذلك الى ان وفاه السلطان بعين جالوت .
وكان كتبغا وبيدرا لما بلغهم وصول العساكر المصرية ،جمعا من تفرق من التتر من بلاد الشام  وسارا يريدان  عسكر المسلمين .وحرك في اتجاه الجنوب بين جبال لبنان حتى دخل فلسطين من شمالها الشرقي غرب مرتفعات الجولان، ثم عبر نهر الأردن، ووصل إلى الجليل الشرقي. واكتشفت الاستطلاعات الإسلامية المنتشرة في المنطقة تحركات كتبغا، ونقلت الأخبار بسرعة إلى قطز الذي كان قد غادر عكا في اتجاه الجنوب الشرقي؛ فأسرع قطز باجتياز مدينة الناصرة، وتعمق أكثر في الجنوب الشرقي حتى وصل إلى منطقة تُعرف بسهل عين جالوت

مكان العركة :

سهل عين جالوت منطقة مناسبة جدًّا للمعركة المرتقبةيقع سهل عين جالوت على مسافة 65 كيلومتر جنوب منطقة حطينوهو سهل واسع منبسط تحيط به التلال المتوسطة من كل جوانبه إلا الجانب الشمالي فهو مفتوح، كما تعلو هذه التلال الأشجار والأحراش، مما يوفِّر مخبأً مناسبًا جدًّا للجيش الإسلامي؛ فيسهل عمل الكمائن الكثيرة على جوانب السهل المنبسط.ورتَّب قطز جيشه بسرعة؛ فوضع على ناحية السهل الشمالية مقدمة جيشه بقيادة ركن الدين بيبرس، وجعلها في مكان ظاهر حتى يغري جيش التتار بالقدوم إليها، بينما أخفى قطز رحمه الله بقية الجيش خلف التلال والأحراشلما جاءت القوات الإسلامية إلى فلسطين، وتحرك كتبغا في اتجاه عين جالوت، أرسل صارم الدين أيبك ذلك الرسول إلى قطز ليخبره ببعض المعلومات المهمَّة جدًّا عن جيش التتار.

وقد نقل هذا الرسول إلى قطز المعلومات التالية:أولًا: جيش التتار ليس بقوته المعهودة، فقد أخذ هولاكو معه عددًا من القادة والجند (وذلك عند ذهابه إلى تبريز بفارس)؛ فلم يعد الجيش على الهيئة نفسها التي دخل بها إلى الشام،
فلا تخافوهم.وكانت هذه معلومة في غاية الأهمية فعلًا؛ لأنها رفعت الروح المعنوية جدًّا عند من كان في قلبه
خوف من التتار، فكانت هذه المعلومة المهمَّة شحنة قوية أمدت الجيش الإسلامي بطاقة عالية.ثانيًا: ميمنة التتار أقوى من ميسرتهم، فعلى جيش المسلمين أن يقوي جدًّا من ميسرته والتي ستقابل ميمنة التتار.
ثالثًا: (وهو خبر مهم) أن الأشرف الأيوبي أمير حمص سيكون في جيش التتار بفرقته، ومعه صارم الدين أيبك، ولكنهم سوف ينهزمون بين يدي المسلمين.. أي أن الرسالة تقول أن الأشرف الأيوبي قد راجع نفسه، وآثر أن يكون مع جيش قطز، ولكنه خرج مع جيش التتار مكيدة لهم، وتفكيكًا لصفهم.كانت هذه الأخبار في غاية الأهمية، وجاءت في وقت مناسب، ولكن الحكمة تقتضي ألا يعتمد المسلمون على هذه المعلومات، لأنها قد تكون خدعة من التتار أو من الأشرف الأيوبي أو من صارم الدين أيبك.لذلك قال الأمراء بعضهم لبعض في حكمة بالغة، وخبرة عسكرية فائقة: «لا يكون هذا معمولية على
المسلمين». يعني لا يكون هذا شيئًا عمله التتار ليخدعوا به المسلمين.


موقعة عين جالوت: 

لما كان يوم الجمعة   25 من رمضان سنة 658هـ/ 1260م،صلى المسلمون الفجر في خشوع.. ورتبوا صفوفهم بعد الصلاة واستعدوا، وما هي إلا لحظات وأشرقت الشمس وظهر جيش التتار،والتقى الجمعان وفى قلوب المسلمين وهم كبيير من التتار،وبدأت القوات الإسلامية تنساب من فوق التلال إلى داخل سهل عين جالوت، ثم تتجه إلى شمال السهل للاقتراب من جيش التتار، ولم تنزل مقدمة الجيش دفعة واحدة، إنما نزلت على مراحل، وفي صورة عجيبة؛ تتابعت الكتائب الإسلامية بألوانها الرائعة المختلفة، كل كتيبة بلون؛ فبُهِت كتبغا وقادته وجنودهمقد كان كتبغا معتادًا أن يرى جنود المسلمين وراء الحصون والقلاع يرتجفون ويرتعبون، أو يراهم وهم يتسارعون إلى الهروب فزعًا من جيش التتار، أو يراهم وهم يسلِّمون رقابهم للذبح الذليل بسيوف التتار كان كتبغا معتادًا على رؤية المسلمين في إحدى هذه الصور المهينة.واكن كلما نزل فرقة من فرق المماليك بلون مميز، يسال كتبغا صارم الدين ايبك المملوك فى جيش التتار رنك من هذا؟! اى  لون من هذا فيقول لة لون فيقول له لون كتيبة سنقر الرومى ،وهكذا مع كل كتيبة حتى بهت كتبغا من شدة نظام الجيش واكتمال عدتهم .
فبعد نزول الكتيبة الأولى: "كتيبة سنقر الرومي" نزلت كتيبة أخرى تلبس الملابس الصفراء عليها من البهاء والجمال ما لا يوصف.تزلزل كتبغا وقال لصارم: هذا رنك من؟قال صارم: هذا رنك بلبان الرشيدي أحد أمراء المماليكثم تتابعت الكتائب الإسلامية بألوانها الرائعة المختلفة، وكلما نزلت كتيبة سأل كتبغا:
 رنك من هذا؟.. فيقول صارم: فصرت أي شيء يطلع على لساني قلته.. يعني بدأ يقول أسماء مخترعة لا أصل لها، لأنه لا يعرف هذه الكتائب، ولكنه يريد أن يرعب كتبغا بكثرة الفرق الإسلامية.وكل هذه الفرقهي مقدمة جيش المسلمين فقط، وهي أقل جدًّا من جيش التتار الرهيب؛ فقد احتفظ قطز بقواته الرئيسية خلف التلال، وقد قرر ألا تشترك في المعركة إلا بعد أن انهَك قوات التتار.
وبعد أن نزلت مقدمة المسلمين بقيادة ركن الدين بيبرس بدأت فرقة الموسيقى العسكرية الإسلاميةالمملوكية تظهر على الساحة، وانطلقت في قوَّة تدق طبولها وتنفخ في أبواقها وتضرب صنوجها النحاسية.. لقد كانت الجيوش المملوكية تتلقى الأوامر عن طريق هذه الدقات التي لا يعرفها الأعداء.. فكانت هناك ضربات معينة للميمنة وضربات معينة للميسرة وضربات معينة للقلب، وكانت هناك ضربات للتقدم وضربات للانسحاب، وكانت هناك ضربات خاصة لكل خطة عسكرية، وبذلك يستطيع القائد قطز أن يقود المعركة عن بعد، وعلى مساحة شاسعة من الأرض من خلال دقات هذه الآلات الضخمة.. هذا فوق الرهبة التي كانت تقع في قلوب الأعداء من جراء سماع هذه الأصوات المزلزلة، بينما كانت هذه الدقات تثبت المسلمين، وتشعرهم بمعية القائد لهم في كل تحرك من تحركاتهم.ووقف الأمير ركن الدين بيبرس بقواته على المدخل الشمالي لسهل عين جالوت، بينما ترك السهل بكامله خاليًا من خلفه، واقتربت جدًّا ساعة الصفر.ونظر كتبغا إلى مقدمة القوات الإسلامية وكان لا يدرك شيئًا عن القوات الرئيسية المختبئة خلف التلال،فوجد أن قوات المقدمة الظاهرة أمامه قليلة جدًّا بالنسبة إلى قواته.. ومع ذلك فهي في هيئة حسنة ومنظر مهيب، فأراد كتبغا أن يحسم المعركة لصالحه من أول لحظاتها.. لذلك قرر أن يدخل بكامل جيشه



 وقواته لحرب مقدمة المسلمين.وهذا تمامًا ما كان يريده الملك المظفر قطز.وأعطى كتبغا قائد التتار إشارة البدء لقواته.وانهمرت جموع التتار الرهيبة وهي تصيح صيحاتها المفزعة على مقدمة جيش المسلمين.أعداد هائلةمن الفرسان ينهبون الأرض في اتجاه القوات الإسلامية.أما القائد المحنك ركن الدين بيبرس فقد كان يقف في رباطة جأش عجيبة، ومعه الأبطال المسلمون يقفون في ثبات، وقد ألقى الله عز وجل عليهم سكينة واطمئنانًا، وكأنهم لا يرون جحافل التتار.حتى إذا اقتربت جموع التتار أعطى بيبرس إشارة البدء لرجاله.. فانطلقوا في شجاعة نادرة في اتجاه جيش التتار، ولا ننسى أن هذه المقدمة الإسلامية قليلة جدًّا بالنسبة إلى جيش التتار.وارتطم الجيشان ارتطامًا مروعًا.وارتفعت سحب الغبار في ساحة المعركة، وتعالت 

أصوات دقات الطبول وأصوات الآلات المملوكية، وعلت صيحات التكبير من الفلاحين الواقفين على جنبات السهل وامتزجت قوات المسلمين بقوات التتار، وسرعان ما تناثرت الأشلاء وسالت الدماء، وعلا صليل السيوف على أصوات الجند.واحتدمت المعركة في لحظات.. ورأى الجميع من الهول ما لم يروه في حياتهم قبل ذلك.كانت هذه الفرقة المملوكية من أفضل فرق المسلمين، وقد أحسن قطز اختيارها لتكون قادرة على تحمل الصدمة التترية الأولى.. والذي يحرز النصر في بداية المعركة يستطيع غالبًا أن يحافظعليه إلى النهاية.. ليس فقط للتفوق العسكري ولكن -أيضًا- للتفوق المعنوي.ثم جاء وقت تنفيذ الجزء الثاني من الخطة الإسلامية البارعة.. ودقت الطبول دقات
 معينة لتصل بالأوامر من قطز إلى بيبرس ليبدأ في تنفيذ الجزء الثاني من الخطة.وكان الجزء الثاني من الخطة عبارة عن محاولة سحب جيش التتار إلى داخل سهلعين جالوت، وحبذا لو سُحب الجيش بكامله، بحيث تدخل قوات التتار في الكمائن الإسلامية تمهيدًا لحصارها.


وبدأ ركن الدين بيبرس في تنفيذ هذا الجزء من الخطة على صعوبته، فكان عليه أن يُظهر الانهزام أمام التتار، ويتراجع بظهره وهو يقاتل، على ألا يكون هذا التراجع سريعًا جدًّا حتى لا يلفت أنظار التتار إلى الخطة، ولا بطيئًا جدًّا فتهلك القوَّة الإسلامية القليلة أثناء التراجع.. وهذا الميزان في الانسحاب يحتاج إلى قدرة قيادية فائقة، كما يحتاج إلى رجال أشداء مهرة في القتال.وقد كانت هذه العوامل متوافرة في الجيش بحمد الله، وقبل هذا بالطبع كان توفيق الله عز وجل عونًا لهذا الجيش الصامد.وبذلك نجح الجزء الثاني من الخطة الإسلامية نجاحًا باهرًا، وبدأ تنفيذ الجزء الثالث

من الخطة، وجاءت إشارة البدء من قطز عن طريق الطبول والأبواق، ونزلت الكتائب الإسلامية العظيمة من خلف التلال إلى ساحة المعركة، نزلت من كل جانب، وأسرعت فرقة قوية لتغلق المدخل الشمالي لسهل عين جالوت؛ وبذلك في دقائق معدودات أحاطت القوات الإسلامية بالتتار إحاطة السوار بالمعصم.واكتشف كتبغا الخُطَّة الإسلامية بعد فوات الأوان، وحُصِر هو والتتار في داخل سهل عين جالوت، وبدأ الصراع المرير في واحدة من أشد المعارك التي وقعت في التاريخ، لا مجال للهرب، ولا مجال للمناورات؛ السهل منبسط والمساحات مكشوفة، وظهر تفوق الميمنة التترية، فقد بدأت تضغط على الجناح الأيسر للقوات الإسلامية، وبدأت القوات الإسلامية تتراجع تحت الضغط الرهيب للتتار، وبدأ التتار يخترقون الميسرة الإسلامية، وأخذ الشهداء يسقطون، ولو أكمل التتار اختراقهم للميسرة فسيلتفون حول الجيش الإسلامي

 وتتعادل بذلك الكفتان، وقد ترجح كفة التتار، ويصبح إغلاق السهل خطرًا على المسلمين.وشاهد قطز -رحمه الله- المعاناة التي تعيشها ميسرة المسلمين، فدفع إليها بقوات احتياطية، ولكن الضغط التتري استمر، وبدأ بعض المسلمين يشعر بصعوبة الموقف، ولعلَّ بعضهم أصبح يشك في النصر، ولا ننسى السمعة المرعبة لجيش التتار الذي قيل عنه إنه لا يهزم. لم يجد قطز إلا حلاًّ واحدًا لا بديل له، لا بد أن ينزل بنفسه -رحمه الله- إلى ساحة القتال،
لقد ألقى بخوذته على الأرض؛ تعبيرًا عن اشتياقه للشهادة، وعدم خوفه من الموت، وأطلق صيحته الشهيرة التي قلبت الموازين في أرض المعركة، لقد صرخ قطز -رحمه الله- بأعلى صوته: واإسلاماه، واإسلاماه!! وألقى بنفسه -رحمه الله- وسط الأمواج المتلاطمة من البشر.وفوجئ الجنود بوجود القائد الملك المظفر قطز رحمه الله في وسطهم، يعاني مما يعانون، ويشعر بما يشعرون، ويقاتل كما يقاتلون؛ إنها ليست هجمة على ذواتهم، إنها هجمة على الإسلام. واشتعل القتال في سهل عين جالوت، وعلا صوت تكبير المجاهدين على كل شيء، ولجأ المسلمون بصدقٍ إلى ربهم في هذا اليوم المجيد من شهر رمضان.وقاتل قطز رحمه الله قتالاً عجيبًا!!


 ثم صوَّب أحد التترالذين كان استبقاهم من رسل التتر سهمه نحو قطزرحمه الله فأخطأه، ولكنه أصاب الفرس الذي كان يركب عليه قطز فقُتل الفرسُ منساعته، فترجَّل قطز رحمه الله على الأرض، وقاتل ماشيًا لا خيل له! وما تردد، وما نكص على عقبيه، وما حرص على حياته رحمه الله. وبدأت الكفة -بفضل الله- تميل من جديد لصالح المسلمين، وارتدَّ الضغط على جيش التتار، وأطبق المسلمون الدائرة تدريجيًّا على التتار.وتقدم أمير من أمراء المماليك المهرة في القتال وهو جمال الدين آقوش الشمس، وهو من مماليك الناصر يوسف الأيوبي، وقد ترك الناصر لما رأى تخاذله وانضم إلى جيش قطز، وأبلى بلاءً حسنًا في القتال،واخترق الصفوف التترية في حملة صادقة موفَّقة حتى وصل في اختراقه إلى (كتبغا) قائد التتار!! ورفع البطل المسلم سيفه، وأهوى بكل قوته على رقبة الطاغية المتكبر كتبغا، وطارت الرأس المتكبرة في أرض القتال، وسقط زعيم التتار، وبسقوطه سقطت كل عزيمة عند جيش 

التتار..وتغير سيناريو القتال عند التتار، فما أصبح لهم من هَمٍّ إلا أن يفتحوا لأنفسهم طريقًا في المدخل الشمالي لسهل عين جالوت ليتمكنوا من الهرب، وانطلق المسلمون خلف التتار، يقتلون فريقًا، ويأسرون فريقًا.وركز التتار جهدهم على فتح ثغرة في مدخل سهل عين جالوت الشمالي، واستطاعوا بعد عناءٍ شديدأن يُحْدِثوا ثغرة في الصف المسلم الواقف على باب المدخل، وانطلق التتار في سرعة عجيبة يُوَلُّون الأدبار، وخرجت أعداد كبيرة يُسرِعون الخُطا في اتجاه الشمال لعلَّ هناك مهربًا.ووصل التتار الفارون إلى بيسان (حوالي عشرين كيلو مترًا إلى الشمال الشرقي من عين جالوت)،وجد التتار أن المسلمين جادُّون في طلبهم، فلم يجدوا إلا أن يصطفوا من جديد؛ لتدور موقعة أخرى عند بيسان أجمع المؤرِّخون على أنها أصعب من الأولى، وقاتل التتار قتالاً رهيبًا، وكادوا أن يقلبوا

الأمور لمصلحتهم، وابتلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديدًا.وانطلق قطز يحفِّز الناس، ويدعوهم للثبات، ثم أطلق صيحته الخالدة: واإسلاماه، واإسلاماه، واإسلاماه!! قالها ثلاث مرات، ثم قال في تضرُّع: "يا الله! انصر عبدك قطز على التتار" وما إن انتهى من دعائه وطلبه -رحمه الله- إلا وخارت قوى التتار تمامًا.

نهاية الأسطورة

وبدأ الجنود الذين روَّعوا الأرض قبل ذلك يتساقطون كالذباب على أرض بيسان، قضى المسلمونتمامًا على أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وارتفعت راية الإسلام وتهاوت راية التتار، وجاءت اللحظةالتي ينتظرها المسلمون منذ أربعين سنة أو تزيد
لقد أُبِيد جيش التتار بكامله!! لم يبق على قيد الحياة من الجيش أحد بالمرة! لقد فَنِي الجيش الذي اجتاحنصف الكرة الأرضية؛ فني الجيش الذي سفك دماء الملايين وخرَّب مئات المدن، وعاث في الأرض فسادًا. وانتصر الجيش الإسلامي العظيم!!
لقد نزل البطل المجاهد العظيم التَّقيُّ الورع، نزل من على فرسه، ومرَّغ وجهه في الأرض، يسجد شكرًا لله
لم تنته مهمة الملك المظفَّر بعدُ؛ ما زال هناك تتار في بلاد الشام، وما زال هناك تتار في دمشق وحمص وحلب وغيرها من المدن الشامية، وما زال هناك تتار في العراق وتركيا وفارس وغيرها، ودمشقهي أولى المحطات الإسلامية التي تقع تحت سيطرة التتار، وهي تقع على مسافة مائة وخمسينكيلو مترًا تقريبًا من عين جالوت إلى الشمال الشرقي منها. لا بد من تطهير هذه المدينة الإسلامية العظيمة من دنس التتار؛ فأرسل رسالة عظيمة تحمل بشريات النصر المجيد.وصل الكتاب يحمل البشارة إلى أهل دمشق، واستقبل المسلمون الخبر بفرح لا يوصف؛ فقد يئسالكثير من إمكانية هزيمة التتار، فلما سمعوا بأخبار الانتصار الباهر ارتفعت هممهم إلى السماء، ورأو عمالقة التتار أقزامًا، وقام الشعب في دمشق بثورة عارمة على جيش المغول، وأمسكوا بجنود التتاروفتكوا بهم..لقد سقطت هيبة التتار، وتنفَّس المسلمون الصعداء بعد قهرٍ وبطش استمر أكثر من ستة أشهر، وانتهىالمسلمون من أمر الحامية التترية بسرعة؛ فمنهم من قُتل، ومنهم من أسر، ومنهم من فرَّ، واتجهالمسلمون بعد ذلك للقصاص من النصارى الذين تطاولوا على أهل الإسلام في أثناء سيطرة التتارعلى دمشق.
 وبينما هم كذلك -وفي اليوم الثلاثين من رمضان سنة 658هـ/ 1260م- وصل البطل العظيم الملكالمظفر قطز رحمه الله إلى دمشق، بعد خمسة أيام من يوم عين جالوت؛ واستقبله الناس استقبالالفاتحين، وعلقت الزينات في الشوارع، وخرج الرجال والنساء والأطفال يستقبلون البطل المظفر.قطز بعد معركة عين جالوت



المصادر:

1- المقريزى       السلوك لمعرفة  دول الملوك

2-  رشيد الدين الهمذانى     جامع التواريخ المجلد 2 الجزء الاول 

3-ابن الاثير      الكامل فى التاريخ

4-د/ راغب السرجانى      قصة التتار من البداية الى عين جالوت

شاهد ايضا:



ليست هناك تعليقات