آخر الأخبار

الحملة الصليبية الثالثة (حملة ريتشارد قلب للاسد وفيليب اغسطس) 1

الحملة الصليبية الثالثة (حملة ريتشارد قلب للاسد وفيليب اغسطس)1



الحملة الصليبية الثالثة

(1192-1189)
الجزء الاول


سوف نتحدث فى هذ المقال عن الحمله الصليبية الثالثة ولكن نظرا لطول سرد الحوادث سوف نتناول احداث الحملة على مقالتين حتى يتسهل للقارئ متابعة  احداث الحملة دون شرود ويستطيع ربط الاحداث ببعضها البعض.

مابعد حطين واسترداد بيت المقدس:

أدت الهزيمة التي لقيها الصليبيون في حطين، ثم سقوط بیت المقدس في أيدي المسلمين إلى ردود فعل عنيفة في الغرب الأوربي، الذي أدرك زعماؤه أن الأمور لا تسير سيرا طبيعيا في الشرق، كما أيقنوا آخر الأمر ما ينتظر الصليبيين في بلاد الشام من مستقبل مظلم.

وأدرك من اجتمع في مدينة صور من الصليبيين أنه ما لم تصل إليهم نجدة من الغرب، فإن فرص الاحتفاظ بصور ستتضاءل بعد أن ضاع كل أمل في استعادة المناطق التي فقدوها، ولم يلبث كونراد دي مونتفرات أن أرسل جوسیاس، رئیس أساقفة صور، إلى غربي أوروبا في منتصف ۵۸۳ه/ أواخر صيف ۱۱۸۷م) ليطلب من البابا وملوك أوروبا وأمرائها، النجدة العاجلة).

وصل جوسياس إلى صقلية، واجتمع بملكها وليم الثاني الذي استجاب لهذه الدعوة، بعد أن راعه ما سمع منه من أنباء الكارثة التي حلت بالصليبيين في الشرق، ولما كان في حال حرب مع بیزنطية، فقد عقد صلحا مع الامبراطور البيزنطي إسحاق الثاني أنجيلوس في (محرم 584 ه/ مارس ۱۱۸۸م) ليتفرغ للقضية الصليبية، ثم أرسل أسطوة يحمل بضع مئات من الفرسان إلى طرابلس بقيادة أمير البحر الصقلي مرغريت البرندیزي، وقد نجح في منع صلاح الدين من فتح طرابلس

وانتقل جوسیاس بعد ذلك من صقلية إلى روما ورافقته بعثة صقلية، فاجتمع مع البابا أوربان الثالث وشرح له حقيقة وضع الصليبيين في بلاد الشام، فلم يتحمل البابا الصدمة وتوفي کمدأ في (14 شعبان ۵۸۳ه/ 19 اكتوبر۱۱۸۷م)، على أن خليفته غريغوري الثامن بادر على الفور بالاتصال بملكي إنكلترا هنري الثاني وفرنسا فيليب أغسطس وامبراطور ألمانيا فريدريك بربروسا، يستحثهم على أن يتناسوا ما بينهم من خلافات، ويعبئوا قواهم لمحاربة المسلمين .
وإذا كان البابا غريغوري الثامن قد توفي هو الآخر ف(۱۳ شوال/ ۱۷ ديسمبر الأول) قبل أن يرى ثمرة جهوده، فإن خليفته كليمنت الثالث (۰۸۳ - ۵۸۷ هم ۱۱۸۷ ۔ ۱۱۹۱م) أسرع بالاتصال بالامبراطور الألماني وأقنعه بالاشتراك في حملة صليبية تتوجه إلى الشرق.

حدث هذا في الوقت الذي انتقل فيه جوسیاس إلى الغرب لمقابلة ملكي إنكلترا وفرنسا، فاجتمع بهما في جيسور على الحدود بين نورمانديا وفرنسا، وأقنعهما بتناسي خلافاتهما التي كانت حادة)، وشجعهما على عقد الصلح والاشتراك معا في حملة صليبية، ومع ذلك، فإنهما تباطأ في التنفيذ، وتجددت الحرب بينهما، ثم توفي هنري الثاني في عام (585 ه/ ۱۱۸۹م) وخلفه ابنه ريتشارد قلب الأسد دوق بواتو، فعقد صلحا مع الملك الفرنسي، وتجهز للقيام معه بحملة مشتركة إلى الشرق .

وكان وليم الثاني ملك صقلية النورماني أول من استجاب لتلك الدعوة، إذ أرسل أسطولا يحمل بضعة مئات من الفرسان إلى طرابلس، فساعد هذا الأسطول في منع صلاح الدين من الاستلاء على طرابلس ، غير أن جهود هذا الأسطول وقائده انتهت بوفاة وليم الثاني سنة ۱۱۸۹م واندلاع الاضطرابات في صقلية في السنوات القليلة التالية، فلم تشارك صقلية في الحملة الصليبية الجديدة بأكثر من هذه السفن التي أرسلت سنة ۱۱۸8م ، وهي التي أسهمت في حماية الساحل الشامي

حملة فردريك بربروسا إمبراطور ألمانيا: 
على الرغم من أن الإمبراطور فريدريك بربروسا - إمبراطور ألمانيا لم تكن له صلات قوية بصليبي الشرق، ولم تكن للألمان سوی جالية قليلة العدد، ولم يتلق دعوة مباشرة من صلیبي الشام للقدوم إلى الشرق، إلا أنه تحمس للمشاركة في الحملة الصليبية الجديدة، خاصة بعد فراغه من مشاكله في ألمانيا وتوطيد نفوذه في الغرب، وتوثيق علاقته بنورمان صقلية، وهدوء العلاقات بينه وبين البابوية.

 وعلى الرغم من أن الإمبراطور كان شيخا كبيرة، إلا أنه كان أسرع في العمل من عاهلي إنجلترا وفرنسا، فزحف في مايو سنة ۱۱۸۹م على رأس جيش كبير بلغ نحو مائة ألف محارب على حد قول المؤرخين، وسلك الطريق البري عبر المجر إلى القسطنطينية، بعد أن كتب إلى الحكام الذين سوف يجتاز بلادهم مثل ملك المجر وإمبراطور بيزنطة وسلطان سلاجقة الروم بآسيا الصغري، يطلب تسهيل مروره إلى الشرق، وإذا كان هذا الإمبراطور قد تلقي من ملك المجر وسلطان السلاجقة الرد والوعد ببذل المساعدة له ولجيشه ، إلا أن هذا الإمبراطور تعرض العداء الإمبراطور البيزنطي اسحق الثاني أنجيلوس (۱۹۸۰-۱۱۹۰م) بسبب تحالف الألمان مع نورمان صقلية من ناحية)، وبسبب سياسة الإمبراطورية البيزنطية في التحالف مع صلاح الدين من ناحية أخري.
بربروسا


التقارب بين صلاح الدين وإسحاق الثاني أنجيلوس

حافظ الامبراطور البيزنطي إسحاق الثاني أنجيلوس (۵۸۱۔ ۵۹۱ه/ ۱۱۸۰ - ۱۱۹۵م) على سياسة التقارب مع صلاح الدين، التي بدأها سلفه أندرونيقوس کومنين، وذلك ليواجه أعداء دولته في اتجاهين متباعدين، النورمان في صقلية الذين
هددوا العاصمة القسطنطينية، والصليبيين في بلاد الشام، والسلاجقة في آسيا الصغرى، فأقر المعاهدة التي أعدها سلفه بعد أن عدل صلاح الدين بعض بنودها.

وجزع الصليبيون في الشرق عندما علموا بأنباء هذا التفاهم، فعمد ريموند الثالث کونت طرابلس إلى إلقاء القبض على ألكسيوس أخي الامبراطور، وكان في طريقه من دمشق إلى القسطنطينية، وكان ينزل ضيفا على صلاح الدين، وذلك أثناء مروره بعكا في عام ( ۱۱۸۹ / ۰۸۲ م)؛ وسجنه). وعندما علم الامبراطور بذلك حث صلاح الدين على مهاجمة الأملاك الصليبية ، والضغط على الصليبيين لإطلاق سراح أخيه؟)، وهاجم الأملاك الصليبية في قبرص کی يخفف الضغط عن صلاح الدين، غير أن القوات البيزنطية تعرضت للهزيمة، كما جرى تدمير الأسطول البيزنطي.

وهاجم صلاح الدين، في تلك الأثناء، مملكة بيت المقدس، وقد فسر ذلك على أنه بسبب تشجيع إسحاق الثاني أنجيلوس . والحقيقة أن صلاح الدين كان يتحرك من ضمن سياسة إسلامية عامة وينتهز الفرص للانقضاض على الصليبيين، ولم تكن لصداقته مع الامبراطور البيزنطي أي صلة بالهجوم عليه إلا من ناحية واحدة غير مباشرة تتمثل باستعداد الأرثوذكس في بيت المقدس تسليم المدينة له، وفتح صلاح الدين آنذاك بیت المقدس والمدن الساحلية وأطلق سراح ألكسيوس الذي عاد إلى القسطنطينية . البيزنطيين ، عجل بالعبور إلى آسيا الصغري في مارس سنة ۱۱۹۰م)، ولكنه تعرض لهجمات الترك فضلا عن صعوبة الطريق وقلة الزاد وندرة المياه.



 ولكنه استطاع أن يدخل قونية، وطلب قلج أرسلان الثاني الأمان وعقدت اتفاقية بينهما تعهد فيها قلج ارسلان بتأمين طرق الألمان إلى بلاد الشام وإرسال الأدلاء معهم لإرشادهم ، وربما وجد قلج ارسلان في هذا الإمبراطور حليفة قوية ضد البيزنطيين وصلاح الدین فرحب بمصادقتهم وإرشادهم إلى الطريق، فاجتاز الجيش الألماني جبال طوروس تجاه الحدود الأرمينية، فاستقبله ليو الثانی الأرمني استقبالا طيبا، وأمد الألمان بالمؤن والزاد وأظهر لهم الطاعة .

ولقد أحدث تقدم الألمان في هذا الجيش الكبير فزعا وهلعا بين المسلمين على حين قلق صلاح الدين لهذه الأخبار، فبدأ في استنفار الناس للجهاد، وأرسل إلى أمراء الموصل وكردستان والجزيرة وأنفذ المؤرخ القاضي ابن شداد إلى بغداد لإخطار الخليفة العباسي لإثارة همته ليبذل المساعدة ويدعو المسلمين إلى الجهاد ، وبدأ في إخلاء بعض القلاع والحصون وهدم بعضها الآخر، فأخلي المسلمون حصن بغراس شمال الاسكندرونة على الرغم من أهميته البالغة لتحكمه في الطريق المؤدي إلى شمال الشام كما بدأ في هدم بعض المراكز التي خشي احتلال طرسوس.




مکث الامبراطور الألماني مدة خمسة أيام في قونية بعث خلالها بهدية إلى السلطان، وقال له: أما قصدنا بلادك ولا أردناها وإنما أردنا البيت المقدسة ، وطلب منه أن يأذن لرعيته في إخراج ما يحتاج إليه الجيش من قوت وغيره فأذن لهم وأعطاهم ما يريدون حتى اكتفوا وتزودوا لرحلتهم، كما طلب من قطب الدین ملکشاه التوقف عن مضايقة جيشه..

وجرت بين العاهلین مباحثات سياسية تمخضت عن تعهد السلطان قلج ارسلان الثاني بتأمين طريق الألمان إلى بلاد الشام عبر كيليكية وإمدادهم بالأدلاء لإرشادهم، وحتى لا ينكث الأتراك بما تعهدوا به، طلب الامبراطور منهم بعض الرهائن، فسلموهم نيف وعشرين أسيرة، فساروا جميعا باتجاه أرمينية الصغرى

نهاية الامبراطور الألماني

وفي الوقت الذي عقد فيه إسحاق الثاني أنجيلوس الصلح مع فريدريك بربروسا وسمح له باجتياز بلاده، كتب إلى صلاح الدين يعتذر عن السماح للجيش الألماني بعبور بلاده ويعلمه بأنه لن يستطيع القتال إذا وصل إلى بلاد الشام، لأن ما تعرض له من متاعب أثناء اجتيازه آسيا الصغرى، وما تعرضت له قواته من النقص؛ أضعفه وأقلقه).

وعندما غادر الجيش الألماني قونية، تلقى صلاح الدين تقارير عن سيره، كان من بينها الرسالة الواردة من أسقف أرمينية الصغرى وصاحب قلعة الروم على الفرات، فاتضح له أن ما زعمه إسحاق الثاني أنجيلوس في رسالته الأخيرة عن تدمير الجيش الألماني هو من قبيل الوهم وطمس الحقائق . أثار زحف الجيش الألماني الهلع في نفوس المسلمين فبادر صلاح الدين إلى إعلان الدعوة للجهاد، وطلب المساعدة من أمراء سنجار والموصل وإربل وبغداد، وقد بلغ الرعب في صفوف المسلمين بفعل اقتراب الجيش الألماني من أبواب بلاد الشام، فأخلوا حصن بغراس في شمالي الإسكندرونة، وتحدث المؤرخون المسلمون عن الجموع الألمانية بعبارات تفيد اليأس من الاحتفاظ ببلاد الشام).
على أنه حدث ما قلب الأوضاع رأسا على عقب، إذ لم يقدر للامبراطور .

فريدريك بربروسا أن يصل إلى بلاد الشام لأن القدر حال بينه وبين ذلك، إذ عندما وصل إلى سهل سلوقية في (4 جمادى الأولى 586 -۱۰يونية ۱۱۹۰م) وتجهز لعبور نهر کالیکادنوس ) ليدخل إلى مدينة طرسوس، نزل إلى حافة النهر، وما حدث عندئذ ليس معروفة على وجه التأكيد، فإما أن يكون الامبراطور قد وثب عن حصانه إلى الماء البارد ليستعيد نشاطه، ولكن تيار النهر فاق بالقوة ما كان يتقده، وإما أن جسمة الهرم لم يستطع مقاومة الصدمة المفاجئة، أو زلت قدم فرسه فقذف به إلى الماء فغرق بسبب ثقل أسلحته، وانتشل الجيش جثته، وتلى ذلك تفرق أفراده.

شكلت وفاة الامبراطور الألماني صدمة لأتباعه وللصليبيين في الشرق، إذ أن أنباء قدومه على رأس جيش ضخم زاد في رفع الروح المعنوية عند الفرسان الذين يقاتلون على الساحل الشامي، وكان جيشه وحده كافي لرد المسلمين، فإذا اجتمع هذا الجيش مع الجيشين الإنكليزي والفرنسي، فإنه من المحقق أن يسترد الصليبيون ما فقدوه من مدن ومعاقل، وقد خشي صلاح الدين فعلا من اجتماع هذه الجيوش، ولم يلبث أن أبدى فرحه وارتياحه عندما علم بوفاة الامبراطور الألماني، كما ابتهج المسلمون لغرقه.


سقوط عكا في أيدي الصليبيين 

لم يفتأ المؤرخ ابن الأثير بعدد على صلاح الدين أخطاءه، وينحي عليه باللائمة لإفراطه في التسامح مع خصومه ومبالغته في التساهل في الوقت الذي كان عليه ألا يترك الحزم إن ساعدته الأقدار، فلئن يعجز حازما خير له من أن يظفر مفرطة مضيعة الحزم، وأعذر له عند الناس" ولكن فات هذا المؤرخ أن شخصية صلاح الدين كانت شخصية فريدة في عصره، لا يمكن إخضاعها لمقاييس ذلك العصر، أو الحكم عليها وفقا لما ساد فيه من والتف حول الملك الصليبي جماعة من الفرسان والمتطوعين البيازنة، فسار بهم إلى صور آم في أن يتولى زعامة القوات الصليبية، وخطط لاسترداد المدن المفقودة ناقضة 

بذلك عهده مع صلاح الدين، وبذلك تحول الصليبيون من الدفاع إلى الهجوم.
ويبدو أن صلاح الدین استفاد نظرية من إطلاق سراح جاي لوزینان بفعل ما ترتب على هذه الخطوة من اشتداد حدة النزاعات بين صفوف الصليبيين، وبخاصة بين الملك وبين كونراد دي مونتفرات الذي أغلق أبواب مدينة صور في وجه الملك عندما وصل إليها في الأول من رجب585ه/ ۱۵ اغسطس ۱۱۸۹م) ورفض السماح له بدخولها بحجة أنه خسر مملكته في حطين، وتركها وهو في الأسر من دون حكومة، وكادت تضيع كلها لولا تدخله هو، وعلى أي حال، فإنه يحكم صور نيابة عن الملوك الصليبيين القادمين لإنقاذ المملكة، الذين عليهم أن يقرروا أيهما ينبغي أن يعهد إليه بأمر الحكومة؟



لكن الواضح أن الاستفادة العملية كانت معدومة لأن جاي لوزینان ما لبث في الشهر التالي أن رفع معسكره من أمام صور وشرع في المسير باتجاه الجنوب إلى عكا مصطحبة معه نحو مائة فارس.

غدت حينئذ بأيدي المسلمين ، وشجعه على ذلك وصول أسطول بيزي يتكون من نحو خمسين سفينة في إبريل سنة ۱۱۸۹م ، بعد عقد الصلح بين بيزا والبندقية بوساطة البابا"، فاستفاد من ذلك جاي ونجح في جمع جيش من فرسان الصليبيين المشردين قرب طرابلس ، كما أفاد من بقايا حملة النورمان التي أرسلها الملك وليم الثاني ملك صقلية"، ثم تقدم على رأس هذا الجيش تجاه عكا في أغسطس سنة ۱۱۸۹م ملتزمة طريق الساحل، بينما سارت السفن في البحر على مقربة منه تحمل السلاح والعدد والذخائر .

كان صلاح الدين آنذاك يحاصر قلعة شقيف أرنون، وعندما جاءته الأنباء بزحف جاي الوزينان إلى عكا ترك قسما من جيشه على حصار القلعة، وتقدم بالقسم الآخر باتجاه الصليبيين، وكان يأمل بمهاجمتهم أثناء زحفهم من صور إلى عكا عند رأس الناقورة، لكن مجلس حربه لم يوافق، وأشار أمراؤه عليه أن يتركهم حتى يبلغوا عكا، فيقعون عندئذ بين فكي الكماشة ، الجيش الإسلامي من الخارج وحامية المدينة من الداخل .

عسكر الصليبيون في التلال القريبة من عكا، وحفروا خندقا حول معسكرهم كما أقاموا سورة ترابية وراء الخندق، فحشروا أنفسهم بينه وبين أسوار المدينة، وانحصر اتصالهم بالعالم الخارجي عن طريق البحر فقط". ونزل صلاح الدين على تل کیسان الواقع إلى الشرق من عكا وعلى مروجها، وامتدت ميمنته إلى تل العياضية و میسرته إلى النهر الجاري، وأنزل الأحمال في صفورية، فأحاط بذلك بالصليبيين المحيطين بعكا، فكان هناك حصار على حصار .

حصار عكا

وقام جاي لوزینان بعد ثلاثة أيام من وصوله بأول محاولة لاقتحام المدينة، لكنه فشل، فترث بعدئذ بانتظار قدوم الإمدادات من الغرب الأوروبي التي بدأت طلائعها تصل في (شعبان/ أيلول). وكتب لهذه البقعة أن تشهد قتالا شديدة يعد من أعظم ما نشب في تاريخ القرون الوسطى ومن أروعها، وأشهرها إثارة في تاريخ الشرق والغرب، تكررت خلالها الصدامات بين الطرفين حتى كادت تتحول إلى عمل يومي، واتخذت طابع حرب الخنادق.

ويبدو أن صلاح الدين رأى أنه لم يبق للمسلمين إلى عكا طريق فأحاط المسلمون بالصليبيين بقربها ، لأنه لم يتوافر لصلاح الدين من الجند ما يكفي للقيام بهجوم شامل على الصليبيين ، فأخذ صلاح الدين ينتظر قدوم الإمدادات من الشرق، وفعلا بدأت تصل الإمدادات من الموصل وديار بكر وسنجار وغيرها من بلاد الجزيرة ومن حران والرها" وفي نفس الوقت وصلت طلائع الحملة الصليبية الثالثة في البحر مما قلب خطط صلاح الدين رأسا على عقب وجعله يتريث قليلا في تنفيذ خططه فقد توافدت أساطيل البيازنة والجنوية والبنادقة.

فضلا عن سفن أخرى من غرب أوربا تحمل آلافا من الصليبيين من وطلب صلاح الدين المساعدة من حكام المسلمين في الشرق والغرب، فكتب إلى أمراء الجزيرة والموصل، فلبوا نداء المساعدة على الرغم مما كان بينهم وبينه من فتور ما يدل على وعي إسلامي للخطر الصليبي.

 وقدم إليه تقي الدين ابن أخيه، و مظفر الدین صاحب حان والرها، وكان على اتصال دائم مع الخليفة العباسي المستضيء، غير أنه لم يحصل منه على مساعدة فعالة)، وأرسل سفارة إلى أبي يوسف يعقوب بن عبد المؤمن الموحدي في المغرب، يطلب منه أن يقوم الأسطول المغربي بقطع طريق الإمدادات البحرية عن السفن الأوروبية، التي تقوم بإمداد الصليبيين في عكا بما يحتاجون إليه، فأبدى الموحدون عطفهم غير أنهم لم يبذلوا | مساعدة إيجابية؟).

أضحى الجيش الأيوبي بعد وصول الإمدادات من الضخامة ما يكفي لفرض الحصار على الصليبيين، وظل الجيشان، الأيوبي والصليبي، يواجهان بعضهما طيلة فصل الشتاء من دون أن يجسر أي منهما على تصفية الموقف لصالحه، ونشأت بين أفرادهما روابط من واقع تبادل القادة عبارات التحية والمودة.
أثبت حصار عكا أن ثمة توازنة بين قوتي الفريقين

 إذ لم يستطع الصليبيون اقتحام المدينة، واستطاع المسلمون، بداخلها، الصمود، وكذلك لم يستطع صلاح الدين إزاحتهم، فتشبث كل طرف بموقعه في انتظار وصول الإمدادات التي تكفل له القيام بالهجوم كان جاي لوزینان يتوقع وصول إمدادات صليبية أخرى من أوروبا الغربية، في الوقت الذي وصل فيه دوق سوابيا على رأس ما تبقى من القوة الألمانية، وشارك في القتال، وعلى الرغم من ذلك فإن شتاء عام (586 - 587 ه/ ۱۱۹۰- ۱۱۹۱م) كان ثقيلا على الصليبيين ليس بسبب النتائج التي ترتبت على فشل الجيش الألماني فحسب بل لتفشي المجاعة في معسكرهم أيضا، إذ تضاءلت المؤن، ولم تصل في شتاء ذلك العام أي سفينة صليبية إلى عكا بسبب نشاط الأسطول الإسلامي، وتداعت التدابير الصحية بسبب ندرة المياه، فتفشي المرض بين الجند، وهلك بعض الأمراء

بدأ صلاح الدين هجومه الكاسح على الصليبيين في منتصف سبتمبر سنة ۱۱۸۹م، حين نشط في فتح طريق إلى عكا ليستطيع مد المدينة بالمؤن والزاد ويحشد فيها الجند ويستبدل بعض رجال حاميتها، وبعد قتال عنيف نجح المسلمون في فتح الطريق إلى عكا)، فأدخل صلاح الدين إلى المدينة من أراد من الرجال وما شاء من الذخائر والأموال والسلاح، ولحق بالصليبيين خسائر فادحة يوم ۱۹، ۱۰  سبتمبر سنة 1189م ، وفي أواخر سبتمبر نفسه وصل کونراد إلى عكا قادما من صور فتشجع الصليبيون وهاجموا القوات الإسلامية



 ، إلا أن صلاح الدين أنزل بهم هزيمة ساحقة جديدة في أكتوبر من نفس العام ، حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى وجيفهم وادی تعفن الجثث ونتن ريحها ووخامة المكان إلا إجباره على الانتقال إلى تل الخروبة بعيدا عن عكا فأفاد الصليبيون من ذلك وأحكموا حصارهم على عكا واكملوا حفر خندق حول معسكرهم من البحر إلى البحر، كما نجحوا في إنزال أدوات الحصار من سفنهم فانقطع طريق المسلمين إلى عكا من جديد.

وأمضى صلاح الدين الشتاء وجانبا من ربيع سنة ۱۱۹۰م بالخروبة ، ولم يعد الاتصال بينه وبين حامية عكا كما كان من قبل ، فلجأ إلى إرسال تعليماته إلى الحامية بواسطة السباحين في البحر وعن طريق الحمام الزاجل أى على أجنحة الطير بالشفرة المصطلح عليها ، حتى وصلت قافلة ضخمة من السفن من مصر في ديسمبر سنة ۱۱۸۹م استطاعت أن تعيد الاتصال بالمدينة ونجحت في إمداد الحامية بالمؤن والزاد لتصعد للحصار بعد أن حالت السفن الجنوية بين المسلمين وبين عكا .

 وطال الحصار ولجأ صلاح الدين إلى الاستنجاد بكافة القوى الإسلامية في المشرق والمغرب فجاءته العساكر من مختلف البلاد القريبة من دمشق ومن حمص ومن حماة ، فضلا عمن جاء من البلدان البعيدة بقصد الجهاد، وبفضل مساعي المؤرخ ابن شداد ، فاجتمع لديه صاحب دارا وصاحب سینجار وبعض أمراء الجزيرة، وصاحب الموصل وصاحب إربل وحضر مبعوث الخليفة العباسي ببغداد معه بعض الأسلحة وآلات الحرب ).

واشتدت وطأة الحصار على المدينة بينما كانت الحرب تسير ببطء أمامها، فلم تبدأ الحرب فعليا إلا في أواخر إبريل سنة 1190م حين بدأ الصليبيون في مهاجمة أسوار المدينة ومحاولة اقتحامها ولكن محاولاتهم باءت بالفشل ، غير أن المدينة ظلت تعاني من شدة الحصان في الشهر الثلاثة التالية لم تعد كمية الفن والزاد التي يهربها صلاح الدين إلى المدينة تكفي لسد حاجتها على حين كان موقف الصليبيين أمامها يزداد قوة في كل يوم، فقد لحقت بهم فلول حملة الإمبراطور فردريك بربروسا بقيادة ابنه دون سوابيا فشدت أزر الصليبيين.

 على حين وصل في أواخر يوليو سنة 1190م بعض النبلاء البرجنديين والفرنسيين من أشهرهم هنری کونت شامبانيا ، الذي عرفه المؤرخون المسلمون باسم الكندمرى"، على رأس إمدادات بلغت نحو عشر آلاف محارب ومعه أدوات الحمار فازداد تضييق الصليبيين على المدينة .
بدأ الصليبيون هجوما كبيرا على المدينة في سبتمبر سنة ۱۱۹۰م، إلا أن المدينة صمدت هذه المرة أيضا واستبسلت في الدفاع، ونجحت الحامية في إحراق ما نصبه هنری کونت شمبانيا من أدوات الحصار . خاصة وقد فترت همة بعضهم في تلك الآونة بسبب خلافاتهم الشخصية حول عرش مملكة بيت المقدس بعد وفاة الملكة سبيلا زوجة جای لوزجنان وتتويج أختها ايزابيل التي جرى تزويجها من كونراد دي مونتفرات ليصبحا ملكين للمملكة الصليبية مع معارضة جای الأمر الذي تسبب في إحداث انشقاق خطير في صفوف الصليبيين.
انتهى الجزء الاول      

ليست هناك تعليقات